قصص قصيرة

توقّف عند إشارة مرور… فغيّر حياة أمّ وطفلٍ وأنقذ نفسه

أن يكون ابني بخير. كل شيء آخر خرج من يدي.
مع الوقت روت فاليريا قصتها عملت طاهية ثم عاملة في بيوت الناس كانت ترسل ما تستطيع لأم مريضة في ميتشواكان ثم تراكمت المصاريف الطبية وضاق الحال ثم فقدت عملها ثم فقدت بيتها وانتهى بهما الأمر في الشارع.
كان دييغو يسمع دون أن يقاطع. وكل جملة كانت حجرا يسقط فوق الضمير الذي أجل مواجهته طويلا.
عاد ماتيو إلى المدرسة. سجله دييغو في مدرسة قريبة. عاد الطفل يبتسم شيئا فشيئا في البداية بخجل كمن يخشى أن تكون السعادة فخا ثم بثقة. صار يحيي العاملين حين يزور مطعم دييغو ويجلس على طاولة قرب المطبخ ليكتب واجباته ويرسم شمسا وثلاثة أشخاص يمسكون بأيدي بعضهم.
عرض دييغو على فاليريا عملا في أحد مطاعمه. ترددت.
قالت لا أدري إن كنت أستطيع
قال دييغو أنا لا أحتاج طاهية مشهورة. أحتاج إنسانة صادقة لديها رغبة في التعلم وقد أثبتت أنها تعرف معنى الكفاح.
أومأت فاليريا وبدأت تعمل. لم تغير المكان بسحر أو استعراض بل بإنسانيتها. كانت تبتسم للعاملين حين يرهقهم النهار وتربت على كتف من يخطئ دون أن تقسو وتقول كلمة طيبة في وقت يحتاجه أحدهم. شيئا فشيئا صار المطبخ أكثر دفئا.
كان دييغو يراقب ذلك ويشعر أن شقته الفاخرة التي كانت رمز انتصاره تبدو له الآن غرفة كبيرة بلا روح.
في مساء ماطر بعد أن أغلق المطعم وكان ماتيو يلعب بسيارته الصغيرة على طاولة في الخلف بقي دييغو وفاليريا وحدهما في المطبخ. صوت المطر على النوافذ جعل الصمت أقرب وأكثر حميمية.
قالت فاليريا وهي تمسح يديها بمنشفة لم أتخيل يوما أن يدخل شخص مثلك حياتي. في البداية كان الأمر امتنانا ثم صار داخلي خوف وأمل معا.
مد دييغو يده وأمسك يدها برفق كما لو كان يمسك شيئا هشا.
قال وأنا أيضا أخاف. أخاف لأنني نسيت كيف يكون للإنسان عائلة بعد سنوات من الوحدة. لكنني متأكد من شيء واحد لا أريد أن أعيش يوما آخر من دونك.
نظرت فاليريا إليه وفي عينيها تاريخ وندوب وحذر لكن معها نور يعود.
في تلك اللحظة جاء ماتيو يعدو وهو يحمل سيارته الزرقاء.
قال بحماس انظر يا دييغو! صنعت طريقا بالكراسي!
ثم لمحهما ممسكين بأيدي بعضهما فتوقف فجأة.
سأل بخوف طفولي لماذا تبكين هل أنت حزينة
انحنت فاليريا واحتضنته لا يا حبيبي نحن سعداء.
انحنى دييغو إلى مستوى الطفل وقال ماتيو هل تحب أن يصبح ما ترسمه دائما حقيقة
اتسعت عينا ماتيو.
قال هل ستصبح أبي حقا
قال دييغو إذا قبلتني نعم. أتمنى ذلك من كل قلبي.
لم يرد ماتيو بكلمات. اندفع إلى حضنه بقوة تفوق جسده الصغير. في تلك اللحظة فهم دييغو أن هناك ثروة لا تشترى.
بعد أشهر تبنى دييغو ماتيو رسميا. ارتدى الطفل بدلة جديدة وابتسم وهو يمسك الأوراق كما لو أنها كنز.
ثم تزوج دييغو وفاليريا في حفل بسيط حضره الموظفون الذين صاروا أقرب إلى عائلة. حمل ماتيو الخواتم بجدية مضحكة وحين سئل إن كان لدى أحد اعتراض رفع يده وصاح أنا موافق من كل قلبي! فضحك الجميع وبكوا في آن واحد.
ومن قصتهم لم يصنعوا نهاية سعيدة فحسب بل صنعوا وعدا للآخرين.
أسسوا مؤسسة سموها إشارة الأمل لمساعدة الأمهات الوحيدات والأطفال الذين يعيشون في الشوارع بتأمين سكن مؤقت ومساندة للعودة إلى العمل وإتاحة التعليم والعلاج الطبي.
وبقيت سيارة ماتيو الزرقاء في صندوق زجاجي صغير كذكرى قد يبدأ المعجز من شيء بسيط مثل أن يتوقف إنسان ويصغي.
وفي ليلة بعد سنوات كانوا في الحديقة ينظرون إلى السماء. كان ماتيو قد بلغ العاشرة فسأل
أبي هل ندمت يوما لأنك ساعدتنا في ذلك اليوم
نظر دييغو إليه بسلام لم يعرفه من قبل ثم ابتسم.
قال دييغو بصوت هادئ كأنه يحدث نفسه أكثر مما يجيب السؤال
إن كان هناك شيء أندم عليه فهو أنني لم أتوقف قبل ذلك بسنوات. أنني كنت أرى الناس ولا أراهم. كنت أسمع الاستغاثات ولا أسمعها. كنت أظن أنني إن مضيت بسرعة أكبر سأحمي نفسي من الألم ولم أفهم أنني كنت أحمي نفسي من الحياة ذاتها.
ثم تنفس بعمق وأكمل وعيناه معلقتان بالسماء
ذلك اليوم لم يكن يوما عاديا في حياتي كان اليوم الذي كسر القشرة التي صنعتها حول قلبي. كنت أعيش في بيت واسع لكن داخلي كان أضيق من غرفة بلا نافذة. كنت أملك المال لكنني لم أملك معنى واحدا أستند إليه حين يهدأ الليل ويختفي ضجيج النجاح.
في ذلك اليوم توقفت عن أن أكون رجلا ثريا فارغا يعيش كي يزيد الأرقام في حسابه وبدأت أكون إنسانا يعرف كيف يحب. إنسانا يتعلم أن أقوى لحظة في حياة المرء قد لا تكون حين يربح صفقة بل حين يمد يده في الوقت المناسب لإنقاذ روح أخرى فيكتب له هو أيضا أن ينجو.
شدت فاليريا يد دييغو كأنها تثبت كلماته في الواقع وقالت بصوت مبلل بالامتنان
نحن أنقذناك كما أنقذتنا ربما لم تدرك ذلك في البداية لكنك حين دخلت حياتنا لم تخرجنا من الظلام وحدنا بل خرجت أنت أيضا من ظلامك الخاص. أنت لم تكن تنقذ أما وطفلا فحسب كنت تنقذ الرجل الذي كاد ينسى معنى أن يكون قلبه حيا.
كانت كلماتها تمشي في المكان كضوء لطيف. لم يكن فيها ادعاء ولا مبالغة بل حقيقة بسيطة أن العطاء
ليس طريقا باتجاه واحد وأن اليد التي تمتد لإنقاذ غيرها تعود غالبا وهي تحمل لصاحبها شيئا من الشفاء.
ابتسم ماتيو وكانت ابتسامته أكبر من عمره أوسع من كل ما مر به. كانت في ابتسامته كل نسخه
الطفل الذي طرق الزجاج بيدين صغيرتين كأنهما آخر سلاح
الطفل الذي بكى عند الإشارة وهو يظن أن العالم لن يسمعه
الطفل الذي قاوم الخوف وهو يمسك بسيارته الزرقاء كأنها وطنه الوحيد
ثم الطفل الذي تعلم لاحقاوببطءأن الحب قد يأتي على هيئة كلمة صادقة أو كتف ثابت أو وعد لا ينكث.
في النهاية لا تقاس الثروة بحساب بنكي ولا بعقار يزداد سعره ولا بسيارة فارهة تلمع في الشوارع.
الثروة الحقيقية تقاس بشيء لا تلتقطه الكاميرات بسهولة
بحياة تغيرت لأن أحدا لم يمر من دون أن يلتفت.
بلحظات صغيرة جعلت بقاء إنسان ممكنا.
بليال ينام فيها طفل مطمئنا لأنه يعلم أن صباحه لن يبدأ بالذعر.
وبأم تستعيد أنفاسها لا لأن الهواء كان سهلا بل لأن يدا كانت هناك حين اختنق الطريق.
تقاس أيضا بذلك النوع من الشجاعة الذي لا يصفق له أحد شجاعة أن تتوقف في منتصف الزحام حين يكون الجميع مستعجلين وحين يكون من الأسهل أن تغلق نافذتك وتمضي ثم تختار بدلا من ذلك أن تفتحها وتقول أعدك أنني سأساعدك.
فالناس يظنون أن البطولة تحدث في المشاهد الكبيرة فقط في الكوارث في الحروب في الأخبار. لكن الحقيقة أن البطولة قد تحدث عند إشارة مرور في لحظة لا يراها إلا طفل يرتجف ورجل ظن أنه لم يعد يشعر.
وإن لامستك هذه الحكاية فلا تتركها تمر كقصة عابرة. أخبرني
هل توقف أحد لأجلك يوما حين كنت في أمس الحاجة حين كنت على حافة الانكسار وتحتاج فقط من يقول لك أنا هنا
أم أنك أنت من توقف يوما لأجل أحد لم تكن تعرفه فغيرت له يومه أو غيرت له حياته وربمامن حيث لا تدريغيرت نفسك أيضا
أنا أقرأ تعليقاتك ليس بدافع الفضول فقط بل لأن التجارب حين تقال تصبح جسورا. كلمة واحدة قد تكون لغيرك هواء في لحظة ضيق. وقصة صغيرة قد توقظ أملا كان نائما في قلب شخص يظن أنه وحده في هذا العالم.
فلا تبخل بتجربتك
ربما كانت سطرا واحدا منك كافيا ليجعل شخصا آخر يؤمن أن الأبواب لم تغلق بعد.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى