قصص قصيرة

حذف اسم زوجته من قائمة الحفل لأنها “بسيطة”… ولم يكن يعلم أنه ألغى نفسه من الإمبراطورية!

ترتدي مخملا أزرق داكنا بلون منتصف الليل حين يغيب القمر ولا يبقى سوى العمق.
الألماس على عنقها ومعصمها لم يكن للزينة بل بدا كأنه يلتقط الضوء ويعيد توزيعه كما تفعل خرائط النجوم حين تتحرك السماء نفسها.
نزلت الدرج ببطء واثق لا استعجال فيه ولا تردد كأن الزمن نفسه قرر أن يواكب خطاها لا أن يسبقها.
خطوة ثم أخرى وكل خطوة كانت تسقط طبقة من الوهم الذي بنيت عليه القاعة.
لم تبحث عن أحد بعينيها.
لم يكن في نظرتها قلق الضيف ولا ترقب الداخل إلى مكان لا يعرفه.
كانت تعرف المكان وتعرف من فيه وتعرف أكثر ما لا يعرفونه هم عن أنفسهم.
لم تمسح القاعة بنظرات تقييم.
لم تحص الوجوه ولم تميز بين أصحاب النفوذ ومن يتظاهرون به.
لم تحتج إلى ذلك.
فالسلطة لا تحتاج إلى التعرف بل إلى الظهور فقط.
لم تنتظر إشارة ترحيب.
ولا تصفيقا افتتاحيا.
ولا همسة إذن.
لم تدخل كضيفة.
دخلت كمالكة تعرف مكانها ولا تحتاج إلى إثباته.
كان المكان هو من أعاد ترتيب نفسه حولها لا العكس.
كأن الهواء تغير فجأة صار أثقل أهدأ أكثر انتباها.
كأن الأصوات خفتت تلقائيا لا خوفا بل احتراما لغريزة قديمة تعرف متى تصمت.
في تلك اللحظة انزلقت كأس الشمبانيا من يد أدريان.
لم يشعر بثقلها وهي تفلت من أصابعه.
لم يشعر بالبرودة التي لامست جلده.
لكنه سمع ارتطامها بالأرض الرخاميةصوتا حادا قاطعا كشف ارتباكه أمام الجميع دون حاجة إلى كلمة.
حاول أحدهم تجاهل الصوت.
حرك كتفيه.
ابتسم بتكلف.
لكن لا أحد استطاع تجاهل المشهد.
لم يكن الصوت هو ما لفت الأنظار
بل اليد التي لم تعد تعرف كيف تتمسك بما اعتادت أن تمسكه.
وعندما أعلن مقدم الحفل بصوت ارتجف رغم سنوات الخبرة الطويلة ورغم عشرات الأسماء الثقيلة التي سبق أن نطق بها
نرجو الترحيب بمؤسسة ورئيسة مجموعة بولاريس السيدة ميرا فاينبلاكويل.
وقف الجميع.
ليس احتراما للبروتوكول.
ولا خوفا من الكاميرات.
ولا بدافع المجاملة الاجتماعية التي يتقنها هذا المكان.
بل لأن الاسم وحده كان كافيا ليجعل الوقوف أمرا بديهيا كأن الجسد سبق العقل إلى الاعتراف.
توقفت ميرا أمام أدريان.
لم ترفع صوتها.
لم تبتسم.
لم تظهر أي انفعال يمكن الإمساك به أو تفسيره.
كانت ساكنة
والسكون في مثل هذه اللحظات أكثر قسوة من الغضب.
قالت بهدوء قاتل وصوتها حاد كالزجاج المصقول
مرحبا يا أدريان. سمعت أن هناك مشكلة في قائمة الضيوف.
حاول أن يجمع ما تبقى من كبريائه كما يجمع المرء فتات شيء انكسر فجأة ولا يعود كما كان.
أجبر شفتيه على ضحكة هشة لا تشبهه ولا تشبه الصورة التي باعها للعالم لسنوات.
وقال بصوت متكسر أقل ثقة مما اعتاد
أنت تبالغين. اذهبي إلى البيت.
مالت ميرا برأسها قليلا كأنها تتذوق الكلمة لا تستفهم عنها.
ثم قالت بهدوء بارد
البيت
نظرت حولها.
إلى القاعة التي صممت لتضخيم الأنا.
إلى الوجوه المترقبة التي لم تعد تعرف أين تقف.
إلى الشعارات المعلقة التي كتبت لتلميع القوة لا لمواجهتها.
إلى الكاميرات التي لم تعد تعرف أين تضع عدساتها عليه أم عليها
ثم عادت بعينيها إليه وقالت بنبرة لا تحتمل الرد
هذا حفلي.
وأثناء اقتياد أدريان خارج القاعة لم تصرخ ميرا.
لم تطلب طرده.
لم تصدر أمرا علنيا يمكن الاعتراض عليه.
كان القرار قد اتخذ قبل أن تطأ قدمها السجادة.
وقبل أن يدرك هو أن اللعبة انتهت منذ لحظة ظن أنه حذف اسما فقط.
لم تنظر خلفه.
لم تراقب خروجه.
فمن يملك الأساس لا يتابع ما يسقط.
أمسكت بالميكروفون.
ساد صمت كامل.
ليس صمت خوف بل صمت انتباه.
من ذلك النوع الذي لا يفرض بل يحدث لأن الجميع يعرف أن ما سيقال لن ينسى.
قالت بصوت واضح ثابت لا يحتاج تضخيما ولا انفعالا
لست ربة منزل.
توقفت لحظة.
ليست للدراما
بل لأن الحقيقة أحيانا تحتاج مساحة لتستقر.
ثم أضافت
أنا الأساس.
رفعت رأسها قليلا ونظرت إلى الصفوف الأولى حيث تجلس الوجوه التي اعتادت أن تمسك بالخيوط وتظن أنها ترى كل شيء
والأساس هو الذي يبقى حين يسقط كل ما بني فوقه.
سكتت لحظة أخيرة.
ثم ختمت بنبرة هادئة لا تقبل النقاش ولا تحتاج تصفيقا
وهو الذي ينتصر دائما.
لم يكن في القاعة تصفيق فورا.
كان هناك صمت.
صمت طويل ثقيل صادق.
ثم بدأ التصفيق
بطيئا.
مترددا.
قبل أن يتحول إلى اعتراف كامل لا لها فقط بل بالحقيقة التي تجاهلوها طويلا.
وفي تلك اللحظة لم تكن ميرا تستمتع بالمشهد.
لم تكن تنتقم.
لم تكن تسجل انتصارا.
كانت فقط تستعيد مكانا
لم يكن يوما خارجها
بل خارج نظر الآخرين.
مكان الأساس.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى