قصص قصيرة

لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح

مرة في تاريخها تم جدولة توأمين لقيادة رحلة دولية من مانيلا إلى طوكيو. وكان الراكب في المقعد 1A مقعد الشرف الأعلى هو ماريا.
قبل الإقلاع دوى صوت ميغيل عبر مكبر الطائرة لكنه لم يكن ذلك الصوت الرسمي الجاف المعتاد.
سيداتي وسادتي معكم القبطان ميغيل سانتوس إلى جانب مساعده الأول دانيال سانتوس. هذه الرحلة تحمل لنا معنى شخصيا عميقا. بين الركاب اليوم امرأة قضت حياتها تبيع تذاكر اليانصيب لكنها لم تحتفظ لنفسها بأي حظ. وهبت كل ما لديها وكل مستقبلها لطفلين تركا يرتجفان تحت المطر قبل ثلاثين عاما. أمي اليوم لا مصابيح زيت ولا صرخات باعة الشوارع. اليوم نحن نحملك لتلمسي السحاب.
عم الصمت أرجاء الطائرة ثم انفجر تصفيق مدو. جلست ماريا في مقعدها وحزام الأمان مشدود ويداها قابضتان على مسندي الذراعين. ومع زئير المحركات وارتفاع الطائرة عن المدرج أغمضت عينيها. لم تشعر بالخوف. شعرت بانحناءة الأجنحة وبذلك الارتفاع الذي شرحته يوما لدانيال.
لم يكن الأمر علم ديناميكا هوائية فحسب كان قوة الحب.
لم تتلاش سنوات ماريا الأخيرة في الغموض. بدعم من ابنيها أسست مؤسسة أجنحة سانتوس وهي صندوق منح دراسية لأبناء العمال والمعلمين الفقراء في الأقاليم النائية.
وفي كل عطلة نهاية أسبوع رغم جداول الطيران الشاقة كان ميغيل ودانيال يتناوبان على مرافقة والدتهما إلى المدرسة القديمة على أطراف المدينة.لم يصلوا بسيارات فاخرة ولم يستعرضوا ثراءهم. كانوا يأتون لتوزيع الأرز والتبرع بالكتب وحكاية قصة معلمة نحيلة حولت حيوات مكسورة إلى محاربين في السماء.
وفي إحدى الأمسيات بينما كانوا يجلسون على شرفة البيت القديم الذي تحول الآن إلى مكتبة مجتمعية صغيرة سأل دانيال فجأة
أمي لو لم ترفعيننا من تحت المطر في ذلك اليوم كيف تعتقدين أن حياتك كانت ستصبح
ابتسمت ماريا وتجاعيد عينيها تحكي عمرا من الاكتمال
كنت سأكون مجرد معلمة فقيرة ووحيدة. أنتما من رفعني من وحدة هذا العالم. أنتما من منحني أجنحة لأشعر أنني عشت حياة عظيمة حقا.
وفي البعيد اخترقت طائرة السحب الوردية التي رسمها غروب الشمس. وفي قمرة قيادة ما ربما كان طيار شاب ينظر إلى الأرض مبتسما مدركا أنه مهما ارتفع فهناك دائما ملاذ هادئ يدعى الأم ينتظره.
السماء مملكة متقلبة. قد تكون لوحة هدوء في لحظة ومسرح فوضى في اللحظة التالية. بعد عامين من خدمتهما المشتركة واجه ميغيل ودانيال الاختبار الأعظم لالارتفاع الذي منحتهما إياه أمهما.
حدث ذلك فوق المحيط الهادئ بعد ست ساعات من رحلة طويلة. كانت قمرة قيادة طائرة بوينغ 787 تغمرها الإضاءة الزرقاء الناعمة للأجهزة.
قال دانيال وهو يراقب الرادار
مطبات هوائية قادمة خفيفة إلى متوسطة.
أجاب ميغيل
تم الاستيعاب.
لكن فجأة اهتزت الطائرة بعنف. لم يكن ذلك اهتزاز الرياح المعتاد بل صوت معدني مريع لفشل كارثي.
أضاء ضوء تحذير أحمر ثم آخر. ارتفعت اهتزازات المحرك الأيمن ثم انطفأت الشاشة.
صرخ دانيال
انطفاء المحرك الثاني! أحاول إعادة التشغيل!
قال ميغيل بصوت هادئ مخيف ذلك الهدوء ذاته الذي كانت ماريا تحافظ عليه حين لم يكن في المخزن طعام
انظر إلى ضغط الزيت. انتهى أمر المحرك يا دانيال. لدينا فشل بنيوي.
مالت الطائرة بشدة إلى اليمين والجاذبية تشد الأجنحة. في المقصورة شعر ثلاثمئة راكب بأن الأرض انسحبت من تحتهم وبدأ الذعر يرتفع كمد عات.
في المقصورة كانت ماريا تسافر معهما مرة أخرى. رأت أقنعة الأكسجين تتدلى وسمعت الصرخات. وللحظة عابرة عادت إلى درجات المركز الصحي المبتلة بالمطر قبل ثلاثين عاما عاجزة وباردة. ثم شعرت بقوة مألوفة.
تعثرت إحدى المضيفات في الممر فأمسكت بها ماريا بقوة مفاجئة.
قالت بصوت حاسم
اهدئي. أبنائي يقودون هذه الطائرة. لقد تسلقوا جبالا أشد انحدارا من هذا. اجلسي تنفسي وثقي بهم.
كان يقينها معديا. بدأ الركاب القريبون منها يهدؤون حين رأوا السلام الثابت على وجه المرأة المسنة.
في قمرة القيادة كان الوضع حرجا. تسريب هيدروليكي ثانوي جعل أدوات التحكم ثقيلة شبه غير مستجيبة.
قال دانيال وهو يكافح المقود
لا نستطيع الحفاظ على الارتفاع! نفقد زاوية الانزلاق. علينا الهبوط في الماء!
قال ميغيل
لا.
وتدفقت إلى ذهنه ذكريات الليالي تحت مصباح الزيت حين كانت ماريا تصلح السقف المتسرب بقطع خردة وصلوات رافضة أن يدمر المطر كتبهم.
قال
تذكر ما كانت تقوله أمنا. الأحلام تمنحنا الارتفاع. لكنها علمتنا أيضا أنه عندما ينطفئ الضوء لا نتوقف عن القراءة بل نتعلم كيف نشعل اللهب من جديد.
أغمض ميغيل عينيه لجزء من الثانية مستحضرا الفيزياء التي أحبها دانيال.
أعد توجيه السائل الهيدروليكي المتبقي من الأنظمة غير الأساسية. الآن!
كان مناورة محفوفة بالمخاطر وغير قياسية. تردد دانيال لنبضة قلب ثم قال
جار إعادة التوجيه.
أنت أدوات التحكم. استوت الطائرة محلقة بالكاد فوق أمواج المحيط الرمادية المسننة. ولمدة عشرين دقيقة مرعبة قادا الطائر الجريح نحو مدرج طوارئ في جزيرة نائية.
وعندما ظهرت أضواء المدرج أخيرا وسط الضباب أمسك ميغيل بجهاز الاتصال
هنا القبطان سانتوس. نحن عائدون إلى الوطن.
كان الهبوط عنيفا. صرخت الإطارات وتصاعد الدخان بينما كابحت المكابح الطارئة الزخم. وحين توقفت الطائرة أخيرا كان الصمت الذي تلا ذلك مزلزلا.
جلس ميغيل ودانيال في مقعديهما وملابسهما مشبعة بالعرق وأيديهما ترتجف. لم يحتفلا. فكا أحزمتهما واندفعا نحو المقصورة.
انفتح الباب. كان الركاب يبكون ويتعانقون. وفي المقدمة كانت ماريا واقفة. لم تتحرك.
وحين رأت ولديها لم تسأل عن المحرك ولا عن الخطر. فتحت ذراعيها فقط. انهار الطياران المزينان بالأوسمة في حضنها وعادا طفلين صغيرين تحت المطر.
همست
كنت

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى