
بعد 20 عامًا من الفقدان… مليونير يتعرّف على ابنته في موقع بناء بطريقة لا تُصدَّق
كأنها استنزفت دموعها.
في تلك اللحظة شعرت كأن الهواء انسحب من صدري دفعة واحدة.
لم تعد الغرفة غرفة. ولم يعد الوقت وقتا.
صارت الكلمات مرايا وكل مرآة تريني خطأ قديما كنت أهرب منه.
تابعت دونا مرسيدس وكأنها تفرغ سرا أثقل من عمرها
زوجي كان يعمل في المخفر. قال لي إن أعدتها الآن سيتهمونني سيقولون إنني أنا من أخذتها. ولن يصدقني أحد. الناس لا يصدقون امرأة فقيرة تقول إنها وجدت طفلة تائهة لا يصدقون النوايا الطيبة. فخفت وخبأتها ثم صارت ابنتي.
انهارت لوسيا باكية وكأن الحقيقة سقطت على رأسها حجرا.
كانت تحدق في جدتها كما لو أنها تراها لأول مرة ثم التفتت إلي ثم عادت تنظر إليها.
بين نظرة ونظرة كانت حياتها كلها تتبدل.
قالت لوسيا بصوت يتكسر
قولي إن هذا غير صحيح قولي إنه سوء فهم قولي إنني لست
لكن الحقيقة كانت تتقدم في داخلي بلا رحمة كشيء يعرف طريقه لا يلتفت لاعتراضاتي ولا لكرامتي ولا لقلبي.
تذكرت تذكرت يوم ضياع صوفيا كما لو أنه يحدث الآن.
كنت واقفا في الحديقة والهاتف ملتصق بأذني أحسب الأرباح وأغلق صفقة أبتسم لمستثمر من بعيد وأعتقد أن ابنتي تلهو على مرمى بصري.
كنت أظن أن وجودها قرب قدمي يكفي وأن الطفل لا يضيع ما دام الأب موجودا في المكانلكنني كنت موجودا بجسدي فقط.
أما عقلي فكان في المال.
زوجتي كانت مريضة في المنزل. جسدها واهن وروحها مثقلة.
والمربية كانت جديدة. شابة. متحمسة بلا خبرة. ظننت أن الأمر بسيط وأن الأطفال لا يحتاجون أكثر من عين تراقبهم.
ولم أفهم إلا متأخرا أن عينا بلا قلب قد تخطئ ثانية واحدة تكفي ليمحى عمر كامل.
عندما أدركت أن صوفيا ليست هنا قلت لنفسي لا بد أنها مع أمها.
ثم قلت ربما أخذتها المربية للحظة.
ثم قلت قد تكون عند قريب.
كل احتمال كان يبدو منطقيا في البداية وكل منطق كان يؤجل الرعب.
مرت الساعات ثم الأيام ولم أتصل بالشرطة فورا.
ترددت. خفت من الفضيحة. خفت من السؤال الذي سيقال كيف يضيع طفل رجل مشهور
وبين خوف وخوف تمدد الغياب.
ثم جاءت البيروقراطية وجاء الشك وجاءت كثرة الأبواب التي تفتح متأخرة.
وعندما ظهر الخبر أخيرا في الإعلام كان أسبوع قد مر.
أسبوع كامل كفيل بأن يبتلع طفلة صغيرة في مدينة كبيرة.
كانت دونا مرسيدس محقة في شيء واحد شيء يقتلني الآن
لقد فقدت ابنتي قبل أن يأخذها أحد.
فقدتها لحظة اخترت الهاتف بدل يدها الصغيرة.
جلست على الأرض لأنني لم أعد قادرا على الوقوف.
لم تعد ساقاي تحملاني ولا كبريائي يسعفني ولا المال الذي جمعته يشتري ثانية واحدة تعيد الزمن.
كانت لوسيا تضم نفسها ترتجف كأنها قطعة زجاج تخاف أن تتحطم.
وقالت بصوت مكسور أقرب إلى همس طفل ضائع
إذا أنا صوفيا
أومأت العجوز وعيناها ممتلئتان بدموع ترفض السقوط وكأنها تعبت من البكاء
كنت دائما لكنك كنت أيضا لوسيا. أنا ربيتك. أحببتك. لم أعرف كيف أقول الحقيقة ولم أعرف كيف أعيدك ثم صرت حياتي.
صرخت لوسيا وصرخت معها سنواتها كلها
كذبت علي طوال حياتي!
قالت العجوز بصوت فيه دفاع وفيه رجاء
حميتك طوال حياتك. هل كان أفضل أن تكبري وأنت تعلمين أن والديك الحقيقيين أضاعوك بإهمالهم هل كان أفضل أن تحملي هذا الجرح منذ طفولتك
كانت كلماتها سكاكين.
لأنها كانت محقة في جانب لا أريد الاعتراف به.
نعم أنا أهملت ابنتي.
أنا الذي انشغل عن طفلته.
أنا الذي ترك فراغا دخلت منه الكارثة.
وعندما اختفت صوفيا لم تختف وحدها.
اختفت معها زوجتي أيضا بطريقة أخرى.
سقطت في اكتئاب عميق لم تتعاف منه.
كانت تنظر إلى باب البيت كأنه سيعيدها ثم تبكي في صمت ثم تصمت أكثر.
ماتت بعد عامين.
قال الطبيب أزمة قلبية.
أما أنا فكنت أعرف
ماتت حزنا. ماتت ذنبا. ماتت بقلب لم يتحمل الغياب.
وأنا
واصلت العمل.
أبني الأبراج وأجمع المال وأغير المدن وأتهرب من المرآة.
كنت أحاول أن أملأ الفراغ بالأشياء لكن الفراغ لا يمتلئ.
حتى جاء هذا اليوم ورأيت تلك العينين في موقع بناء.
فانهار كل ما بنيته في داخلي.
سألتني لوسيا وهي تنظر إلي بوجع لا تعرف اسمه
ماذا تريد مني ماذا تتوقع أن أفعل
لم أملك إجابة جاهزة.
لأن الحقيقة أنني لم أكن أبحث عن خطة كنت أبحث عن نجاة.
قلت بصوت صادق ومكسور
لا أعرف أعرف فقط أنني أمضيت عشرين عاما أموت من الداخل. عشرين عاما أتخيلك في كل مكان وأسأل نفسي هل كنت تتألمين هل كنت خائفة هل كنت تنادينني
قالت بحدة وبحق وبقسوة صادقة
لم أفكر بك يوما لأنني لم أعلم بوجودك.
كانت ضربة عادلة.
ضربة تعيدك إلى حجمك الحقيقي.
في تلك اللحظة اشتد سعال دونا مرسيدس وظهر الدم على الأغطية وتبدل الجو كله من صدمة إلى خطر عاجل.
قلت بلهجة لا تحتمل نقاشا
يجب نقلها إلى المستشفى. الآن.
قالت العجوز بصوت خافت
لا مال لدينا ولا أحد ينتظرنا هناك.
قلت فورا
سأتكفل بكل شيء.
رفضت أولا ذلك الرفض الذي لا يصدر عن عناد بل عن كرامة فقير تعلم منذ زمن بعيد أن يعيش دون أن يمد يده لأحد.
كانت عيناها تقولان اعتدت أن أتحمل وحدي.
ثم حين رأت الصدق في صوتي وحين قلت بهدوء لا يحتمل المساومة
ليس صدقة هذا أقل ما يمكنني فعله
انكسرت تلك القلعة الصغيرة التي بنتها حول نفسها وأومأت بصمت كمن يسلم أمره للقدر بعدما أنهك من المقاومة.
وصلت سيارة إسعاف خاصة بيضاء لامعة كأنها جاءت من عالم آخر لا يعرف الشوارع المتعبة ولا البيوت الضيقة.
بدت غريبة وسط الحي تماما كما كنت أنا غريبا في حياة ابنتي.
نقلت





