
بعد 20 عامًا من الفقدان… مليونير يتعرّف على ابنته في موقع بناء بطريقة لا تُصدَّق
دونا مرسيدس على الحمالة جسدها هزيل لكن ملامحها هادئة كأنها أدت دورها كاملا ولم تعد تخشى النهاية.
تبعناها والسيارة تشق الطريق بينما كانت لوسيا صامتة تحدق من النافذة وكأنها تودع شيئا لا تعرف كيف تسميه.
وفي المستشفى جاءت الحقيقة الثانية.
حقيقة لا تقل قسوة عن الأولى.
شخصت بسرطان الرئة في مراحله الأخيرة.
لم يتكلم الطبيب كثيرا. لم يكن بحاجة إلى ذلك.
أسابيع وربما شهر إن كان الحظ رحيما.
انهارت لوسيا.
لم تبك فقط بل انهارت كما ينهار من فقد آخر جدار كان يستند إليه دون أن يشعر.
انهارت ابنة لا امرأة وطفلة لا عاملة إسمنت.
فاحتضنتهارغم أنني لم أكن أعرف إن كان لي هذا الحقلكن الإنسان حين يرى دموع ابنته لا يستطيع أن يظل متفرجا ولا غريبا ولا مترددا.
كانت تبكي في صدري كأنها تعود إلى مكان نسيته ذاكرتها لكن عرفه قلبها.
قلت لها وأنا أضمها
دعيني أعتني بكما.
رفعت رأسها ودموعها تتساقط بلا توقف وسألتني بصوت مثقل بالشك والخوف
لماذا لماذا تفعل ذلك بعد كل ما حدث بعد ما فعلته بعد كل هذا الغياب
قلت بصدق لم أختبره من قبل
لأنها منحتني عشرين عاما إضافية معك. ربما لم تكن بالطريقة التي حلمت بها وربما لم أعرفك خلالها لكنها أبقتك حية أبقتك آمنة والآن جاء دوري لأفعل ما لم أفعله يوما. جاء دوري لأبقى.
وبقينا معا في الأيام الأخيرة.
أيام ثقيلة وبطيئة لكنها مليئة بأشياء صغيرة تصنع المعنى.
كنت أتعلم ابنتي كما يتعلم إنسان لغة فقدها كلمة كلمة ونظرة نظرة.
كنت أقرأها ككتاب فاتني عشرون عاما وكل صفحة فيه تجرحني لأنها تذكرني بما ضاع وتداويني لأنها تقول لي لم يفت الأوان كله.
تعلمت أنها قوية لا لأن الحياة كانت عادلة معها بل لأنها لم تكن كذلك.
تعلمت أنها تعمل بكرامة لا تشكو ولا تنتظر شفقة.
تعلمت أنها تحب السماء والنجوم وأن جدتها علمتها أسماء الكوكبات كما لو أن النجوم عائلة أخرى لا تموت ولا تختفي.
وفي إحدى الليالي وقفت لوسيا قرب النافذة والضوء الخافت يحيط بملامحها وأشارت إلى السماء وقالت بصوت فيه حنين طفلة وحكمة امرأة
ترى تلك النجوم الثلاث إنها حزام الجبار. كانت جدتي تقول إنها نمشي في السماء وأنني مهما ضعت ومهما ابتعدت أستطيع أن أجد طريقي بالنظر إليها.
بكيت في تلك الليلة.
بكيت لأنني أدركت أن ابنتي وجدت طريقها وحدها دوني بينما كنت أنا تائها في ثروتي أظن أن المال بوصلة فإذا به متاهة.
ثم رحلت دونا مرسيدس.
رحلت بهدوء يليق بامرأة عاشت عمرها في الظل لكنها أنقذت حياة.
ودفنت بكرامة كما يدفن من ترك أثرا لا تمحوه القوانين ولا الأخطاء.
وبعد الجنازة حين هدأ الضجيج وبقي الصمت وحده شاهدا سألت لوسيا بصوت متردد صوت رجل يخاف أن يرفض مرة أخرى
هل ستعيشين معي
نظرت إلي طويلا كأنها تزن الألم القادم لا الرفاهية وكأنها تسأل نفسها هل أحتمل خسارة جديدة إن اقتربت
قالت أخيرا
إن قبلت هل أستطيع أن أبقى لوسيا لا أريد أن أقتلع من اسمي. لا أريد أن أمحى ولا أن أستبدل بصورة فتاة ضاعت منذ زمن.
قلت لها دون تردد وكأنني أصحح خطأ عمري كله
كوني من تشائين أنت ابنتي بأي اسم وبأي حياة تختارينها. لست هنا لأعيد تشكيلك بل لأتعرف إليك.
وبكينا معا.
بكاء لا يشبه الانهيار بل يشبه الاعتراف.
مليونير وعاملة إسمنت.
أب وابنة.
بعد عشرين عاما من التأخير
لكننا رغم كل شيء أخيرا معا.





