
ثمانية أشهر في غيبوبة… وطفل صغير أعادها للحياة في اللحظة التي فقد فيها الأطباء الأمل
إرباكا. أمالت فاليريا رأسها قليلا كأنها تبحث عن مصدر صوت الطفل. شعر هيكتور بموجة مشاعر تضربه بقوة حتى اضطر أن يستند إلى الجدار.
ابتسم دييغو وقال بفخر هادئ
أرأيت إنها تسمع.
لكن المشكلة كانت أن التحسنات الغريبة في ذلك المستشفى لم تكن توقظ الأمل فقط بل كانت توقظ الشك أيضا.
لاحظت رئيسة الممرضات بياتريس ميندوزا وهي امرأة صارمة ذات نظرات حادة نمطا متكررا التغيرات في المؤشرات الحيوية كانت تحدث في الأوقات نفسها تقريبا. بدأت تسير في الممر أكثر من المعتاد كأن الساعة صارت ملكا لها.
في أحد أيام الخميس كاد دييغو أن يصطدم بها. اختبأ خلف عربة الأدوية وحبس أنفاسه. توقفت بياتريس وشمت الهواء كأنها تشم كذبة ثم واصلت السير لكن بحاجب مرفوع.
في تلك الليلة جاءت دونيا توماسا مع حفيدها في الثانية فجرا. كانت تحمل المرطبان وكيسا قماشيا صغيرا.
همست لهيكتور
يا دون هيكتور حفيدي قلق. يقول إن هذه الليلة مهمة.
اقترب دييغو من فاليريا كما يقترب المرء من نار مقدسة.
قال بصوت خافت
يا دونيا فاليريا طفلك على وشك القدوم. عودي.
وكانت الاستجابة فورية.
فتحت فاليريا عينيها.
لبضع ثوان فقط لكنها كانت كافية. لم تنظر إلى السقف ولم تحدق في الفراغ. نظرت إلى الطفل. وانسابت دمعة من زاوية عينها صافية وصامتة.
فاليريا!
قبض هيكتور على يدها.
حبيبتي أنا هنا أنا
حاولت فاليريا أن تتكلم فلم يخرج سوى نفس. لكن طريقة تنفسها بعد ذلك لم تكن تنفس غيبوبة.
كانت نوما.
في الصباح التالي دخل طبيب الأعصاب الدكتور ألفونسو فيالوبوس الغرفة وتجمد أمام شاشات المراقبة.
قال بصوت منخفض كأن المستشفى كله قد يسمعه
هذا لم يعد غيبوبة عميقة. هذا نوم طبيعي. أحتاج إلى فحوصات عاجلة.
أكدت الفحوصات ما لا يصدق نشاطا دماغيا يتوافق مع استيقاظ تدريجي. انتشر الخبر بين الطاقم كشرارة ووصلت الشرارة حتما إلى بياتريس ميندوزا.
دخلت بياتريس الغرفة حين صارت فاليريا قادرة على إبقاء عينيها مفتوحتين لفترات أطول. نظرت إليها بذلك المزيج من السلطة والخوف الذي يملكه من يظن أنه يسيطر على العالم.
قالت
السيدة فاليريا أحتاج أن أعرف إن كان قد حدث أي شيء خارج البروتوكول.
شعر هيكتور بأن معدته تهوي. خفضت دونيا توماسا بصرها. قبض دييغو على يد جدته مستعدا للتوبيخ.
لكن فاليريا وهي ما تزال ضعيفة فعلت ما لم يتوقعه أحد.
قالت
نعم. لقد ساعدوني. ولا أريد معاقبتهم.
رمشت بياتريس كأن هذا الجواب غير موجود في دليلها.
استدعي الدكتور فيالوبوس إلى النقاش واستمع إلى القصة كاملة طين تيباتيتلان التطبيق الخارجي الأوراق. لم ينفجر غضبا بل بدا متأملا وبدأ يطرح أسئلة دقيقة.
قال
يا دونيا توماسا هل ما زال لديك عينة
قالت
نعم يا دكتور.
قال
إذن سنفعل هذا بطريقة صحيحة نحللها. وحتى ذلك الحين لا يلمس أحد أحدا. أريد حقائق لا صراعات.
فتحت بياتريس فمها للاعتراض لكن الطبيب أوقفها بنظرة حازمة.
قال
البروتوكولات وجدت لحماية الناس لا لإغلاق باب الفضول السريري.
بعد أسبوع جاءت نتائج المختبر تركيزات عالية من معادن وعناصر نادرة بتركيب خاص يمكن نظريا أن يدعم بعض العمليات الدموية والحسية عبر الجلد. لم يكن سحرا.
كان طبيعة مع كيمياء وطفلا بقلب نقي يفعل ما نسي الكبار كيف يفعلونه
التحدث إلى من كان تائها.
حين صارت فاليريا أقوى طلبت أن ترى دييغو وحده. دخل الطفل مترددا وفي جيبه رسم مطوي.
قال بخفوت
مرحبا يا دونيا فاليريا. آسف إن ذهبت إلى مكان لم يكن ينبغي لي دخوله.
ابتسمت له فاليريا وعيناها تلمعان بدموع جديدة.
قالت
لا تعتذر لأنك أعدتني. أنا كنت أسمعك. في أحلامي. كنت دائما أشم رائحة التراب المبتل وصوتك كان كالمصباح.
وقف دييغو ثابتا وهو يبتلع مشاعره.
قال
جدتي تقول إن المريض يكون كأنه تائه في جبل مظلم وإنك إن أحببته تصرخ له من الخارج كي يجد الطريق.
قالت فاليريا هامسة
جدتك محقة. وقد صرخت بطريقة جميلة.
بعد أسبوعين استعد المستشفى للولادة. كانت فاليريا ترتجف خوفا لكنها طلبت أمرا واحدا أن يبقى دييغو ودونيا توماسا قريبين ولو في الممر.
كان المخاض شاقا وقاسيا طويل الساعات متقلب الإيقاع كأن الجسد الذي عاد من الغيبوبة كان يخوض معركته الأخيرة ليثبت أنه ما زال قادرا على العطاء. كانت فاليريا تتنفس بصعوبة يعلو صدرها ويهبط والعرق يتجمع على جبينها فيما تتناوب الأصوات في الغرفة بين أوامر الأطباء ونبض الأجهزة وهمسات القلق التي لا تقال كاملة.
وفي لحظة مفاجئة انخفض نبض الطفل.
تغير الجو في الغرفة دفعة واحدة.
ازدادت الخطوات سرعة وارتفعت النبرات وتحولت الحركة المنظمة إلى عجلة حذرة.
شعرت فاليريا بالخوف يتسلل إلى أعماقها خوفا بدائيا لا يحتاج إلى تفسير.
عندها وبحركة غريزية قبضت على الكيس القماشي الصغير الذي كانت دونيا توماسا قد وضعته في يدها قبل الدخول إلى غرفة الولادة قائلة لها يومها ليس سحرا فقط شيء يذكرك أنك قوية.
ضمته فاليريا إلى صدرها كأنها تتشبث بآخر خيط يربطها بالحياة التي كادت أن تفقدها.
كان هيكتور إلى جانبها لم يبتعد خطوة واحدة.
أمسك جبينها براحته كما كان يفعل منذ أشهر وكما فعل في الليالي الطويلة التي جلس فيها قرب سريرها وهي غائبة. انحنى عليها وكرر الكلمات ذاتها بنفس النبرة بنفس الإصرار كأنها تعويذة لا يريد لها أن تفقد قوتها
أنا هنا. لن أتركك.
أنا هنا لن أتركك.
لم تكن الكلمات جديدة لكنها كانت ثابتة وصدقها كان أثقل من أي دواء.
ثم بعد دقائق بدت كأنها دهر كامل دوى صوت بكاء حاد قوي لا يخطئه السمع.
في الساعة الثانية وإحدى وعشرين دقيقة بعد الظهر في يوم ثلاثاء





