قصص قصيرة

ظنّوها خادمة المطبخ… وفي ليلة واحدة ركع الجميع أمام الحقيقة: أميرة لم تنكسر

ولا إلى شرح.
حقيقة قيلت أخيرا بعد طول صمت لا لتفتح جرحا بل لتغلق باب الوهم إلى الأبد.
ثم وقفت إلينا.
لم يكن وقوفها تحديا ولم يكن استعراض قوة ولم يكن رد فعل متسرع.
كان استعادة بطيئة ومدروسة لنفسها.
استقامة جسد اعتاد الانحناء احتراما للآخرين على حساب ذاته ورفع رأس تعود أن ينظر إلى الأرض لا خجلا بل اتقاء للصدام.
في تلك اللحظة بدا المشهد كله وكأنه يعيد ترتيب نفسه حولها.
اقترب دون أليخاندرو من لانس الذي كان قد وصل لتوه من اليابان واقفا في طرف القاعة ملامحه متجمدة ووجهه شاحب كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة.
كان ينظر إلى ما يحدث بعينين لا تصدقان وكأن الحقيقة التي انكشفت أمامه أكبر من قدرته على الاستيعاب.
لم يعد رجل الأعمال الواثق بنفسه ولا الابن المدلل الذي اعتاد أن يجد من يمهد له الطريق.
كان زوجا أدرك متأخرا أنه أخفق في أبسط واجباته أن يكون درعا لا متفرجا وأن يقف لا أن يصمت.
قال له دون أليخاندرو بصوت هادئ لكنه حاسم صوت لا يحمل تهديدا صريحا لكنه لا يقبل أي نقاش
إن كنت تحب زوجتك فاحمها.
لا بالكلمات المعسولة بل بالمواقف الواضحة.
لا بالوعود بل بالوقوف الصريح في وجه الخطأ مهما كان مصدره.
وإن لم تفعل فأنا من سيتولى أمرها.
شعر لانس في تلك اللحظة أن الأرض تهتز تحت قدميه فعلا لا مجازا فقط كأن البلاط اللامع الذي طالما مشى عليه بثقة صار فجأة هشا لا يصلح للوقوف.
كأن كل ما كان يعتبره ثابتا مضمونا ومحسوما تزعزع في لحظة واحدة قصيرة لكنها كافية لتقلب ترتيب حياته كله.
لم تعد الألقاب تحميه ولا المال يسنده ولا السفر الطويل يبرر غيابه ولا الصمت الذي اعتاد الاحتماء به يبدو حكيما كما أقنع نفسه لسنوات.
رأى نفسه كما هو بلا تزييف.
رأى الرجل الذي اختار الراحة بدل المواجهة والحياد بدل الموقف والسكوت بدل الدفاع.
رأى كيف كان يؤجل الوقوف إلى جانبها بحجج كثيرة العمل الضغوط الظروف الوقت غير المناسب.
واكتشف فجأة أن كل تلك الحجج لم تكن سوى ستار مريح يختبئ خلفه خوفه من الصدام.
تقدم نحو إلينا بخطوات مترددة بطيئة كأن كل خطوة تحتاج إلى شجاعة لم يتدرب عليها من قبل.
لم يعد يسمع الأصوات من حوله بوضوح لا همسات الحضور ولا شهقات الدهشة ولا وقع الموسيقى الخافتة التي ما زالت تحاول أن تنقذ ما لا يمكن إنقاذه.
ثم ركع أمامها.
ركع لا لأن أحدا أمره ولا لأن الموقف يفرض مشهدا دراميا بل لأن الوقوف صار مستحيلا.
ركع لأن كبرياءه الذي رباه على الترف لم يعد يهم ولأن الحقيقة التي انكشفت أمامه أثقل من أن تحمل واقفا.
ركع لأنه أدرك متأخرا أن الرجولة لا تقاس بالسيطرة ولا بالصمت بل بالقدرة على الاعتراف.
انهمرت دموعه دموع رجل لم يسمح لنفسه بالبكاء من قبل وهو يقول بصوت مكسور صادق بلا تنميق
سامحيني خذلتك.
رأيت الألم وسكت.
ظننت أن الصمت حل فكان جريمة.
لم تكن كلماته خطابا بليغا ولا اعتذارا مصقولا بل اعترافا عاريا خرج من مكان موجع في داخله.
اعتراف رجل أدرك أن الصمت حين يكون في غير موضعه ليس حكمة بل خيانة مؤجلة.
نظرت إليه إلينا طويلا.
لم تكن نظرتها قاسية ولم تكن متعالية ولم تكن مليئة باللوم.
كانت نظرة امرأة ترى الصورة كاملة بلا أوهام.
لم تنظر إليه فقط بوصفه الزوج الذي أخطأ ولا الرجل الذي تأخر في الفهم بل الإنسان الذي بدأ أخيرا يخلع الغشاوة عن عينيه ويفهم دون وسطاء ودون تبريرات جاهزة.
رأت ضعفه لكنها رأت أيضا بداية وعي.
ورأت ألمها لكنها رأت كذلك لحظة مفصلية يمكن أن تغير المسار إن اختارت هي ذلك.
مدت يدها ببطء حركة محسوبة واعية وأمسكت يده المرتجفة.
لم تمسكها من موقع ضعف ولا من حاجة ولا من خوف من الفقد
بل من موقع اختيار حر اختيار امرأة تعرف قيمتها جيدا وتدرك أن بقائها في أي علاقة له شروط واضحة لا تقبل المساومة.
قالت بصوت ثابت هادئ في نبرته لكنه قاطع في معناه صوت امرأة لم تعد تخشى أن تفهم خطأ ولم تعد تخشى أن تخسر شيئا بعد أن ربحت نفسها
الآن فقط الآن يمكننا أن نبدأ من جديد.
لكن البداية هذه المرة يجب أن تكون مختلفة تماما.
بداية لا تقوم على الصبر الأعمى الذي يستهلك الروح
ولا على التنازل الدائم الذي يفرغ الإنسان من ذاته.
بداية تبنى على الاحترام
والاحترام لا يطلب ولا يستجدى ولا يمنح كفضل مؤقت
بل يمارس يوما بعد يوم موقفا بعد موقف
في العلن قبل الخفاء وفي الشدة قبل الرخاء.
كانت كلماتها واضحة لا تحمل تهديدا ولا توسلا ولا مساومة.
كانت إعلان حدود لا إعلان حرب.
إعلان امرأة قررت أن تضع نفسها أخيرا في المكان الذي يليق بها.
في تلك الليلة لم يعد ذلك الحفل احتفالا بأي معنى مألوف لدى الحاضرين.
لم تعد الأضواء قادرة على خداع أحد
ولا الموسيقى قادرة على تغطية الصمت الثقيل الذي خيم على القاعة.
لم يعد مناسبة اجتماعية يتباهى فيها الناس بأسمائهم العائلية
ولا عرضا صامتا للأموال والممتلكات
ولا سباقا خفيا على النفوذ والمكانة.
سقطت تلك القشور جميعها دفعة واحدة.
وتحول المكان دون اتفاق مسبق إلى ما يشبه ساحة اعتراف جماعية.
صار الحفل ليلة مواجهة صامتة
ليلة لم يرفع فيها صوت لكن انكشفت فيها الحقائق بوضوح جارح
ليلة تهاوت فيها الأدوار المصطنعة واحدا تلو الآخر
وسقطت الأقنعة التي صنعت بعناية سنوات طويلة.
ليلة أدرك فيها الجميعدون

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى