قصص قصيرة

ظنّوها خادمة المطبخ… وفي ليلة واحدة ركع الجميع أمام الحقيقة: أميرة لم تنكسر

أن يقولوا ذلك صراحة
أن المكانة الحقيقية لا تمنح بالألقاب
ولا تشترى بالأموال
ولا تفرض بالخوف
بل تكتسب بالمواقف
وبالعدل
وبالقدرة على احترام الإنسان حين يكون ضعيفا قبل أن يصبح قويا.
أما إلينا
تلك التي بدأت ليلتها في المطبخ
بيدين متعبتين من العمل المتواصل
وظهر محني من الصبر الطويل
وقلب مثقل بالكلمات التي لم تجد طريقها إلى الصوت
فقد سارت الآن بخطوات ثابتة نحو قلب القاعة.
لم تعد خطواتها مترددة
ولا محسوبة خوفا
ولا حذرة خشية الرفض.
لم تستعجل لأنها لم تعد خائفة من التأخير
فمن يعرف قيمته لا يخشى أن ينتظر.
لم تتلفت لأنها لم تعد بحاجة إلى مراقبة ردود الأفعال
فالنظرات لم تعد ميزانها.
ولم تبحث عن تصفيق لأنها لم تعد تقيس قيمتها بما يمنحه الآخرون أو يمنعونه.
كانت تسير كما تسير امرأة تصالحت مع ذاتها
امرأة لم تعد تسأل
هل أنا مقبولة
هل أنا كافية
هل أستحق
لم تعد زوجة تختبر قيمتها بمدى صبرها على الأذى.
لم تعد كنة تقاس مكانتها بقدرتها على التحمل والصمت والإنكار.
لم تعد امرأة يطلب منها أن تضحي بلا مقابل
ولا أن تتنازل بلا اعتراف
ولا أن تتحمل بلا حماية.
وقفت هناك
وقفة لم تكن لحظة عابرة في حفل صاخب
بل خلاصة سنوات طويلة من الصبر
وسنوات أطول من الصمت
وسنوات أثقل من محاولات التأقلم مع ما لا ينبغي التأقلم معه أصلا.
وقفت لا كزوجة ابن يقاس حضورها بمدى رضا الآخرين عنها
ولا كظل في بيت اعتاد أن يأخذ ولا يعطي
بيت لم يشعر يوما بوجودها إلا حين كانت تؤدي ما يطلب منها
ولا كضيف غير مرغوب فيه يسمح له بالبقاء على الهامش
مجرد اسم يذكر عند الحاجة وينسى عند الكرامة.
وقفت وقد سقطت عنها كل تلك التسميات التي كبلتها طويلا
سقطت الأدوار التي فرضت عليها باسم العائلة وباسم التقاليد وباسم الصبر المزيف.
لم تعد تلك المرأة التي تطالب بأن تفهم الجميع
ولا التي تلام إن عبرت
ولا التي تكافأ على صمتها بمزيد من التهميش.
وقفت كأميرة استعادت اسمها بعد طول إنكار
اسما حاولوا طمسه لا جهلا بنسبه بل تجاهلا لقيمته.
أميرة لا لأن تاجا وضع على رأسها
بل لأن كرامتها بقيت حية رغم كل محاولات الإذلال.
استردت كرامتها دون أن ترفع صوتها
دون أن تحتاج إلى صراخ يثبت وجعها
أو تهديد يبرر حقها.
استعادتها بهدوء من يعرف أن الحق لا يحتاج ضجيجا
وأن القوة الحقيقية لا تظهر في الغضب
بل في القدرة على الوقوف بثبات بعد طول انحناء.
ثبتت حقها في أن تحترم كما هي
بإنسانيتها قبل اسمها
وبقلبها قبل مكانتها
وبوجودها الكامل لا بنسخة مشروطة ترضي الآخرين.
ثبتته لا كما يراد لها أن تكون
ولا كما تفصل الأدوار على مقاس توقعات الغير
ولا كما تفرض عليها الأقنعة بحجة الحفاظ على الشكل العام.
لم تطلب منة من أحد
لأنها أدركت أن الاحترام ليس هبة تمنح
ولا فضلا يشكر عليه
بل حق أصيل لا يقبل المساومة.
لم تقبل شروطا تفرض عليها مقابل بقائها
ولا صفقات عاطفية تقايض فيها كرامتها بالهدوء
ولا وعودا مؤجلة تستخدم لإسكاتها مؤقتا.
ولم تدفع ثمنا من نفسها لتثبت أنها تستحق
لم تضح بسلامها الداخلي
ولم تتنازل عن قيمها
ولم تشوه حقيقتها كي ترضي أحدا.
بل وقفت هناك
بوعي ناضج ولد من التجربة لا من النصائح
وعي علمها أن الحب بلا احترام عبء
وأن الصمت بلا تقدير خيانة للنفس.
وقفت باختيار حر
اختيار امرأة تعرف ماذا تريد
وتعرف أكثر ما لن تقبله بعد اليوم.
وقفت بكرامة راسخة
كرامة لم تولد في تلك اللحظة
بل كانت موجودة دائما
لكنها اليوم فقط خرجت إلى الضوء.
كرامة لا تساوم
ولا تؤجل بحجة الوقت
ولا تنكر خوفا من الخسارة.
ومن تلك الوقفة
لم تعد إلينا تعود إلى الخلف
لم تعد تقبل أن تختزل
ولم تعد تسمح لأحد أن يحدد لها مكانها.
فمن يقف هكذا
لا يعود ظلا أبدا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى