قصص قصيرة

«وأنا بغسّل المېت… رقبته كشفت سرًّا ما اتقالش في حياته»

علشانه. في اللي يسيب مسجده وفي اللي يقف في الشارع يسمع.
كان أول ما يقول الله أكبر المكان كله يسكت.
سكت لحظة وبعدين كمل بنبرة فيها ۏجع
في الأول كان بيأذن بخشوع.
كان صوته طالع من قلبه.
بس مع الوقت الصوت بقى هو الغاية.
بقى يستمتع بصوته أكتر ما يستحضر معنى النداء نفسه.
قالها وهو مغمض عينه كأنه شايف المشهد
بقى يمد الأذان زيادة عن اللزوم.
يغير في المقامات.
يطول الكلمات.
مش علشان يخشع الناس
علشان الناس تقول
الله شوف الصوت!
بلع ريقه وبعدين قال
وكل ما حد ينصحه وكل ما إمام المسجد يكلمه يقول له
أنا برفع صوتي لربنا مش ليكم.
بس الحقيقة يا شيخ
إنه كان بيرفع رقبته قبل صوته.
الكلمة ضړبت في دماغي زي البرق.
يرفع رقبته
قبل صوته.
وفجأة الصورة اللي شفتها وأنا بغسله رجعت قدامي بكل وضوح.
مش كذكرى عابرة
دي رجعت كأنها واقفة قصادي دلوقتي.
الرقبة
الطول غير الطبيعي
والإحساس اللي ما كانش خوف
لكن كان تنبيه.
وقتها فهمت ليه قلبي ما ارتاحش من أول نظرة
وليه عيني كانت بترجع لنفس المكان من غير ما أقصد.
كان في حاجة بتتقال
من غير صوت.
كمل وهو صوته أوطى
أوطى من الأول
كأن الكلام نفسه تقيل على لسانه
وكأن كل كلمة بتطلع بتسحب وراها ۏجع سنين
في آخر سنينه الشيخ اضطر يشيله من الأذان.
قالها من غير اتهام
ولا محاولة تبرير
قالها كحقيقة خلاص اتحطت.
مش غل
ولا قسۏة
لكن علشان الأذان أمانة.
وساعتها افتكرت إن الأمانة عمرها ما كانت سهلة
ولا خفيفة
ولا تتحمل أنا.
قال له بصراحة
من غير لف ولا دوران
من غير مجاملات تخدر
ولا كلمات تخفف
الأذان عبادة مش استعراض.
مقام مش مسرح.
اللي يقف فيه لازم ينسى نفسه
مش يبرزها.
قالها وهو بيضغط على إيده
ضغط مش عصبي
ضغط واحد شايل ۏجع سنين
كأن الموقف لسه عايش جواه
وكأنه شايف أبوه واقف قدامه في اللحظة دي
بنفس الصوت
بنفس النظرة
وبنفس الكبرياء اللي ما عرفش يسيبه.
أبويا زعل.
مش زعل عادي
زعل قوي.
زعل لأن النصيحة جت له وهو فاكر نفسه فوق النصيحة.
زعل لأن الكلمة لمست أنا اللي جواه
مش العبادة.
حسها إهانة
مش نصيحة.
حس إنهم بيكسروه قدام الناس
مش بيقوموه
مش بينقذوه من نفسه.
ما شافش في الكلام رحمة
ولا شاف فيه حرص
ولا شاف فيه خوف عليه.
شاف فيه تقليل
وشاف فيه كسر نفس
وشاف فيه إنهم مش مقدرين قيمته.
قاطع المسجد.
مش يوم ولا اتنين
قاطع المكان كله
كأنه بيقول
لو مش عاجبكم صوتي أنا مش محتاجكم.
ما عادش يخطو جوه
ولا حتى في الصلاة.
قفل على نفسه
وقفل قلبه قبل ما يقفل بابه.
قفل باب المراجعة
وباب المحاسبة
وباب السؤال اللي كان ممكن ينقذه.
وساب الأذان
وساب النداء
وساب الناس
لكن الأهم
ساب المراجعة.
وساعتها فهمت إن أخطر حاجة على الإنسان
مش الذنب
لكن الإصرار
مش الغلط
لكن إنك تشوفه صح.
وماټ وهو
زعلان
وماټ وهو شايف نفسه مظلوم.
شايف إن الناس ما قدرتش صوته
وما فهمتش نيته.
وماټ وهو مقتنع
إنه كان صح
وإن اللي حواليه هم اللي غلط.
سكت شوية
سكون غريب
السكون اللي يسبق الحقيقة التقيلة
مش علشان تتقال
لكن علشان تتحمل.
وبعدين قال الجملة اللي لحد دلوقتي بترن في ودني
ومش بترن
دي بتخبط
تخبط في القلب قبل العقل
كأنها بتفوق حاجة كانت نايمة جوايا
يمكن ربنا أراد يعلمنا
إن اللي

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى