قصص قصيرة

دخلت لتفصل موظفًا… فخرجت وهي تكتشف سرًا قلب حياتها رأسًا على عقب

نبرة صوتها أمام مجلس إدارة أو قاض أو خصم جلست على الأرض بجانب الفراش كأنها فقدت فجأة القدرة على الوقوف.
لم يعد للأرض الباردة معنى ولا لثيابها الفاخرة وزن ولا لتلك الصورة المصقولة التي بنتها عن نفسها عبر السنوات أي أهمية.
لأول مرة لم تكن تفكر في كيف ستبدو بل في ما تشعر به.
أمسكت بيد الطفل الصغيرة بحذر كأنها تخشى أن تؤذيه لمجرد اللمس. كانت اليد دافئة أكثر مما ينبغي دفئها مقلق غير مطمئن. شعرت بنبض ضعيف متقطع لكنه موجود يقاوم بصمت كمن تعلم منذ ولادته أن الحياة لا تعطى مجانا بل تنتزع انتزاعا.
أغمضت لورا عينيها لثوان.
وفي تلك اللحظة انكسر شيء بداخلها.
لم يكن اڼهيارا صاخبا ولا بكاء هستيريا كما في الأفلام.
كان انكسارا صامتا عميقا يشبه تشقق جدار داخلي ظل قائما سنوات طويلة.
لم يكن ضعفا بل إدراكا متأخرا.
إدراكا بأن هناك أشياء لا يمكن شراؤها ولا تعويضها ولا تأجيلها.
عندما نهضت أخيرا لم تنهض كما دخلت.
كان في خطواتها ثقل جديد وفي عينيها شيء لم يكن موجودا من قبل.
في تلك الأمسية لم تعد سيارة المرسيدس السوداء وحدها إلى المنطقة الثرية.
لم تعد محملة فقط بسيدة أعمال ناجحة اعتادت أن تمسك بمقود كل شيء بل بامرأة تعلمت متأخرة معنى الډم ومعنى أن تكون العائلة أكثر من اسم في شجرة نسب.
في المقعد الخلفي كان كارلوس يحتضن الطفل دييغو كما لو أن العالم كله يمكن أن ينهار ما دام الصغير بين ذراعيه. لم يكن احتضانا عاديا بل تشبثا وجوديا كأن ذراعيه هما آخر جدار يقف بين الطفل وبين المجهول. كانت عيناه معلقتين بالطريق لا يجرؤ على الالتفات ولا على النظر إلى لورا وكأن مجرد تبادل النظرات قد يوقظ خوفا دفينا من أن يكون كل ما يحدث حلما هشا قابلا للتبدد عند أول منعطف.
كان صدره يعلو ويهبط ببطء لا من التعب بل من الترقب.
تعلم كارلوس طوال سنواته أن يتوقع الأسوأ وأن لا يثق كثيرا بالانفراجات المفاجئة.
الخير حين يأتي فجأة كان يربكه أكثر مما يطمئنه.
أما لورا فكانت تمسك هاتفها بإحكام كما لو أنه طوق نجاة في بحر هائج.
صوتها ذلك الصوت الذي لم يعرف التردد يوما كان هذه المرة حاسما بطريقة مختلفة.
لم يكن صوت الأوامر الباردة المعتادة ولا صوت من اعتاد أن يملى عليه الواقع فينصاع.
كان صوت شخص أدرك أخيرا أن الزمن ليس في صفه وأن التأجيل نوع آخر من الخسارة.
أفضل الأطباء.
أسرع الإجراءات.
لا قوائم انتظار.
لا حسابات.
لا نقاش.
كانت الكلمات تخرج منها قصيرة واضحة لا تحتمل التأويل وكأنها تحاول أن تعوض بها كل السنوات التي صمتت فيها عن أشياء كان يجب أن تقال.
مرت الأيام الأولى ثقيلة بطيئة ممتدة على نحو غير مألوف.
رائحة المستشفى خليط المطهرات والمعادن والهواء المعقم علقت في أنفاسها كما لو أنها تذكير دائم بمكان لا يشبه عالمها السابق.
صفير الأجهزة ذلك الصوت المنتظم الذي لا يرحم كان يفرض إيقاعه الخاص على الوقت يقيس الحياة بنبضات وآهات.
أما الأضواء البيضاء التي لا تعرف الليل من النهار فقد سلبتها الإحساس بالزمن وأعادتها إلى ذكريات حاولت طمسها منذ سنوات ذكريات أسرة باردة ووجوه شاحبة ووداعات لم تنجز كما ينبغي.
كانت تجلس قرب السرير لساعات طويلة أحيانا دون أن تتحرك تراقب صدر دييغو وهو يرتفع وينخفض.
تعلمت أن تميز أنفاسه أن تعرف متى يكون نومه هادئا ومتى يكون جسده في صراع صامت.
وفعلت شيئا لم تعتد
فعله أبدا
انتظرت.
الانتظار بالنسبة للورا ميندوزا لم يكن فعلا مألوفا.
كانت حياتها كلها مبنية على المبادرة على السيطرة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى