قصص قصيرة

دخلت لتفصل موظفًا… فخرجت وهي تكتشف سرًا قلب حياتها رأسًا على عقب

على الوصول قبل الآخرين بخطوة.
لكن هنا أمام سرير طفل لم يكن لها سوى أن تنتظر وتراقب وتدرك حدود قوتها.
مرت الأسابيع ومعها تغير شيء جوهري لا يقاس بالتحاليل الطبية ولا بتقارير الأطباء وحدها.
تغير شيء في داخلها.
لم تعد مكاتب لورا ميندوزا كما كانت.
الجدران الزجاجية التي طالما عكست صورة القوة والبرود لم تعد باردة كما في السابق.
صار الضوء الداخل إليها أقل حدة أو هكذا بدا لها.
صار الصمت في الاجتماعات أطول وأثقل وكأنه يفسح مجالا لشيء لم يكن مسموحا له بالظهور من قبل.
صار هناك بطء مقصود في الاجتماعات.
توقفات قصيرة تمنح للكلمات قبل أن تقاطع.
نظرات تمنح وقتا أطول مما ينبغي وكأن الوجوه عادت فجأة لتستعيد أهميتها بعد أن كانت مجرد خلفية للأرقام.
القرارات لم تعد تتخذ بلا وجوه.
لم تعد الجداول وحدها تتكلم.
صار للسياق وزن وللإنسان مكان.
كارلوس لم يعد ينظف الأرضيات ولم يعد يمر بصمت بين المكاتب حاملا أدواته ونظراته المنخفضة.
صار له مكتب بسيط لكنه حقيقي ومسؤولية تثقل كتفيه لكنها تمنحه معنى واسم ينادى به باحترام لا همسا ولا تهميشا.
أصبح مدير مؤسسة دانيال ميندوزا.
مؤسسة ولدت من ذنب قديم ومن وعد كاد أن ينسى ومن اعتراف جاء متأخرا لكنه جاء في الوقت الحاسم.
كانت مؤسسة تعنى بالأطفال المصابين بأمراض مزمنة أولئك الذين لا تملك عائلاتهم رفاهية الصمت ولا القدرة على إخفاء الألم خلف أبواب مغلقة أو ابتسامات مصطنعة.
كانت تعنى بالقصص التي لا تروى وبالأطفال الذين لا يجدون صوتا يدافع عنهم حين ينهكهم التعب.
وكان كارلوس يعمل فيها بعينين تعرفان تماما معنى العجز ومعنى أن يأتي الأمل متأخرا لكنه يأتي على أي حال.
كان يعمل لا بوصفه مديرا فحسب بل شاهدا ووصيا على قصص تشبه قصته وعلى آلام يعرف كيف تدار لا كيف تستغل.
أما لورا
فلم تعد المرأة ذاتها.
لم تعد ترى في النجاح مجرد صعود متواصل ولا في القوة قدرة على الإقصاء.
تعلمت أن الثروة الحقيقية لا تقاس بعدد العقارات ولا بالأمتار المربعة ولا بالأصفار المتراصة في الحسابات البنكية بل بالروابط التي نملك الجرأة على إنقاذها قبل أن يبتلعها النسيان وبالحقائق التي نختار مواجهتها بدل ډفنها تحت طبقات من الإنجاز الوهمي.
المرأة التي جاءت لتفصل موظفا انتهى بها الأمر وهي تعثر على العائلة التي سلبها منها الكبرياء
وعلى شقيق لم تفهم صمته إلا بعد رحيله
وعلى طفل أعاد تعريف كل ما ظنت أنها تعرفه عن النجاح والقيمة والمعنى.
وأدركت أخيرا أن الوصول إلى أنقى ذهب في الحياة لا يكون دائما بالصعود ولا بالوقوف فوق الآخرين ولا بالوصول إلى القمم المضيئة وحدها
بل أحيانا وبكل قسۏة وصدق يكون بالنزول إلى الوحل
وبالجلوس إلى جوار الألم
وبمواجهة ما حاولنا دفنه طويلا
وبالاعتراف بأن بعض الخسارات لا تصلح بالقوة
بل بالاعتراف أولا ثم بالاختيار الشجاع ألا نكررها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى