
كان زوجي يقول دائمًا إنه يأخذ الأطفال إلى منزل جدّتهم إلى أن جاء اليوم الذي كشفت فيه ابنتي الحقيقة التي حطّمت كل شيء.
لكنه نسي البسكويت.
مرت أسابيع ثقيلة من الصمت. كل زاوية في البيت كانت تذكرني بهالكرسي الذي كان يجلس عليه الكوب الذي كان يستخدمه زجاجة عطره التي لم تكتمل.
ومع الوقت خف الألم وحل مكانه شيء آخر فهم.
بعد أشهر وصلني خطاب منه. لم يطلب الغفران. لم يبرر. كتب فقرة واحدة فقط
أردت أن أكون كل شيءأبا مثاليا وزوجا مثاليا. لكنني ضعت في التمثيل. ظننت أنني أهرب من الفراغ لكنني لم أفعل سوى تدمير من ملأ ذلك الفراغ بالحب. أخبري آنا وفانيا أنني أحبهما. وأخبريهما بالحقيقةأن أباهما أخطأ وأن الحب لا يجب أن يبنى على الأكاذيب.
طويت الرسالة بعناية ووضعتها في صندوق ذكريات آنا. وعندما تكبر سأدعها تقرأها.
مر عامان الآن. لا يزال الأطفال يسألون عنه أحيانا. أقول لهم إن والدهم يعيش بعيدا وإنه يتعلم كيف يكون أفضل.
آنا في التاسعة وفانيا في السابعة. يضحكان من جديد ويلعبان من جديد. وفي كل عطلة أسبوع آخذهما إلى الحديقةالحديقة نفسها التي كان ميخائيل يختبئ خلف أشجارها ليخفي كذبه. لكنني الآن حين أجلس تحت ظلال تلك الأشجار لا أشعر بثقل الماضي كما كنت أشعر من قبل بل أحس بشيء جديد ينمو في داخلي شيء يشبه السلام لكنه أعمق وأصدق.
لم يعد قلبي يرتجف كلما رأيت أبا يسير مع أطفاله ولا كلما سمعت ضحكة رجل تشبه ضحكته.
صرت أرى العالم بعينين مختلفتينعينين تعلمتا أن الخذلان ليس نهاية الحياة وأن الكسور التي تصنعها الخيانة قد تصبح يوما جزءا من قوة جديدة لم نكن نعرف بوجودها.
كنت أظن أن الأكاذيب تهدم أسرة فحسب لكنني أدركت الآن أن الحقيقة مهما آلمت تحمل بذور البناء من جديد.
وأن الإنسان حين يختار أن ينهض بعد السقوط فإن هذه النهوضة وحدها قصة تستحق أن تروى.
وفي بعض الليالي الهادئة عندما ينام الأطفال أجلس قرب النافذة أحتسي كوبا من الشاي وأترك أفكاري تنساب. أسترجع الرجل الذي كان ميخائيل يوماأو ربما الرجل الذي رسمه خيالي وصنعت منه صورة مثالية لم تكن موجودة إلا في قلبي. ورغم
كل ما حدث لا أبكي.
لقد انتهت دموعي منذ زمن واستبدلتها ببصيرة أعمق وبصمت يعرف كيف يبتسم دون أن يشعر بالمرارة.
أرفع رأسي إلى الظلام وأخاطب ذلك الحب القديم الذي أحرقني ثم أنار في داخلي طريقا آخر
شكرا على السنين حتى وإن كانت مستعارة. شكرا على الدروس التي لم أكن لأتعلمها لولاك شكرا لأنك دفعتني دون قصد إلى اكتشاف نفسي.
أدرك الآن بكل يقين أن اليوم الذي همست فيه آنا بحقيقتها الصغيرة لم يكن اليوم الذي انهارت فيه حياتي بل اليوم الذي بدأت فيه أفهم شكلها الحقيقي.
ذلك اليوم لم يكن نهاية قصتنا أنا وميخائيلبل نهاية لأوهامي عنه.
أما قصتي أنا فقد بدأت للتو.
بدأت حين اخترت أن أكون امرأة تقف على قدميها لا امرأة تتكئ على كذبة.
بدأت حين أدركت أنني قادرة على حماية طفلي وحدي.
وبدأت أكثر حين نظرت إلى المرآة ورأيت امرأة تستحق حبا لا يخجل وثقة لا تنكسر وحياة لا تبنى على الظلال.
واليوم كل خطوة أخطوها وكل ضحكة أسمعها من آنا وفانيا تخبرني أن قلبي لم يخسر بل تغير.
ولأن التغيير ليس ضعفا بل بداية حقيقية فأنا مستعدة لكل ما سيأتي.





