قصص قصيرة

احتفلوا بميلاد وريثهم… بينما كان طفلهم الحقيقي يُرمى في القمامة!

أي ضعف. جلست دانا القرفصاء تضم جسدها الصغير حول الرضيع تحاول أن تصنع منه جدارا بشريا يصد عنه الريح.
شرب الرضيع الحليب بلهفة كما لو أن كل قطرة هي معركة انتصار جديدة.
وكأن حياته تعتمد على ذلك.
ولأنها كانت كذلك فعلا.
كانت عيناه الصغيرتان نصف مغمضتين وأصابعه الدقيقة تلتف حول طرف البطانية كأنها تخشى أن يسحب الدفء فجأة. ومع كل رشفة كان جسده يرتخي قليلا حتى هدأ أنينه وتحول إلى تنفس منتظم ثم غفا أخيرا.
نام الرضيع.
أما دانا فلم تنم.
جلست مستندة إلى الجدار الكرتوني عيناها مفتوحتان تحدقان في الظلام. كانت قد نسيت طعم النوم منذ زمن لكن تلك الليلة لم تكن كغيرها. لم يكن الجوع هو ما يبقيها مستيقظة ولا البرد ولا الخوف من أن يطردها أحد من مكانها.
كان التفكير.
قبضت على السلسلة الفضية بإحكام حتى غاصت حوافها في كفها الصغير. شعرت ببرودتها بثقلها بما تحمله من معنى يفوق وزنها بكثير.
اسم واحد.
لكنه اسم يفتح أبوابا مغلقة.
اسم يكتب في العناوين وتبنى حوله الأسوار وتصنع له الحراسة.
غدا همست بصوت بالكاد يسمع سنذهب إلى ذلك البيت الكبير. وسأحصل على إجابات.
لم تكن تعرف كيف.
ولا ماذا سيحدث.
لكنها كانت تعرف شيئا واحدا فقط الصمت لم يعد خيارا.
في الصباح كانت الأمطار قد توقفت لكن المدينة بدت كأنها ما زالت تلتقط أنفاسها بعد ليلة طويلة. كانت الأرض رطبة والهواء مشبعا برائحة الطين والإسفلت المغسول.
حملت دانا الرضيع وبدأت السير.
لم تركب حافلة.
لم يكن معها مال لذلك.
سارت على قدميها عبر الشوارع التي تعرفها ثم عبر شوارع لم تطأها من قبل. كلما ابتعدت تغير المشهد. اختفت الجدران المتشققة وظهرت الأرصفة النظيفة. تلاشت النوافذ المحطمة وحلت مكانها بوابات حديدية لامعة.
سارت ساعات طويلة نحو التلال حيث يسكن الأثرياء.
كان الرضيع يستيقظ أحيانا فيبكي فتتوقف دانا تهدهده تهمس له ثم تتابع السير. لم تشك قدماها رغم الألم. كانت تشعر أن التعب صار شيئا ثانويا لا يستحق الانتباه.
وحين وصلت أخيرا إلى قصر آل هاريسون توقفت.
لم يكن ما صدمها جمال المكان.
ولا اتساع الحديقة.
ولا النوافذ العالية التي تعكس الشمس.
بل الحفل.
كان هناك عالم كامل يقام خلف تلك الأسوار.
عالم لا يعرف العتمة التي نامت فيها دانا لسنوات ولا رائحة المطر المختلطة بالقمامة ولا برد الأرصفة حين تصبح الليل بيتا. عالم مصقول بعناية كما لو أن الواقع فيه لا يسمح له أن يتصدع.
زهور مرتبة بعناية مفرطة تتفتح في أوان فاخرة كأنها لم تسمع يوما عن الذبول ولا تعرف أن كل جمال مآله الفناء. بتلاتها نقية وسيقانها مشدودة تسقى في مواعيدها وتقص بعناية حتى لا تخرج عن الشكل المطلوب.
سيارات فاخرة تصطف عند المدخل سوداء وفضية لامعة كمرآة تعكس السماء. كانت مصطفة كما لو أنها استعراض صامت للقوة تقول لكل من يراها هنا يسكن من لا ينتظر ولا يخشى ولا يعتذر.
موسيقى ناعمة تنساب في الهواء لا تجرح الأذن ولا توقظ الأسئلة. موسيقى خلقت لتكون خلفية للحياة لا جزءا منها. بلا هم بلا خوف بلا تاريخ.
وعند المدخل كانت هناك لافتة كبيرة معلقة بعناية مكتوبة بخط أنيق وواثق تقول
مرحبا بليام هاريسون
تحيط بها بالونات زرقاء وذهبية تتمايل بخفة تحت الضوء كأنها تعرف أنها خلقت للاحتفال فقط. ألوانها زاهية بلا أثر لليلة باردة ولا لسماء غضبت بالأمس.
احتفال.
ميلاد يحتفى به.
ضحكات وتهاني وكؤوس ترفع.
بينما كان الرضيع الحقيقي قد كاد يتجمد في صندوق من كرتون تحت مطر لم يسأل عن الأسماء ولا عن الثروات.
في تلك اللحظة شعرت دانا بشيء يتغير داخلها.
لم يكن خوفا هذه المرة.
كان غضبا.
غضبا حارقا بدأ كنقطة صغيرة في صدرها ثم تمدد واتسع حتى ابتلع كل ارتعاش عرفته من قبل. غضب أذاب الخوف كما تذيب النار الجليد ولم يترك مكانا للتردد.
لم تفكر دانا في العواقب.
لم تسأل نفسها عما سيحدث بعد ذلك.
كان جسدها يتحرك قبل أفكارها.
تسلقت السور بصعوبة كانت حجارته باردة وزلقة من أثر المطر خدشت ركبتها وشعرت بالدم يسيل دافئا على ساقها لكنها لم تتوقف. لم تلتفت. الألم كان تفصيلا صغيرا لا يستحق التوقف.
انزلقت بين الشجيرات تمزق ثوبها أكثر علقت أوراق في شعرها وخدشت الأشواك ذراعيها لكنها واصلت حتى بلغت نافذة ضخمة تطل على القاعة الرئيسية.
وقفت للحظة.
نظرت إلى الداخل.
وكان ذلك كافيا ليهتز عالمها من أساسه.
رأت توماس هاريسون ببدلته الأنيقة يقف في مركز الاهتمام. كان يبتسم ابتسامة واثقة ابتسامة من اعتاد أن يصفق له لا أن يسأل. حوله رجال ونساء بملابس فاخرة وجوههم مرتاحة أصواتهم منخفضة كل شيء في مكانه الصحيح.
وإلى جانبه كانت زوجته إليزابيث.
ابتسامتها مصقولة مدروسة كأنها تمرنت عليها طويلا أمام المرايا. كانت تحمل رضيعا نظيفا ملفوفا بالبياض ناعم الملامح دافئا كأنه لم يعرف المطر ولا الوحل ولا البرد. كأنه ولد مباشرة في هذا الضوء في هذا الأمان.
تحطم شيء ما في صدر دانا.
شيء لم تكن تعرف اسمه.
ثم رأتها.
خادمة تتقدم بخطوات محسوبة تحمل صينية فضية.
زي أسود.
مئزر أبيض.
خطوات مألوفة.
تجمدت دانا للحظة.
لم تحتج إلى التفكير.
عرفتها فورا.
إنها المرأة التي في المكب.
المرأة التي نظرت حولها بخوف ثم رمت الرضيع.
أوليفيا.
في تلك اللحظة انتهى كل شيء.
لم تفكر دانا.
لم تخطط.
فتحت النافذة ودخلت.
كان صوت الزجاج الخافت كافيا ليجعل القاعة كلها تلتفت.
ساد الصمت.
ليس فقط بسبب الحذاء الموحل والملابس الممزقة والشعر المبلل
بل لأن الجميع رأوا فتاة صغيرة بالكاد تبلغ الثامنة أو التاسعة تقف هناك تحمل رضيعا

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى