قصص قصيرة

احتفلوا بميلاد وريثهم… بينما كان طفلهم الحقيقي يُرمى في القمامة!

آخر بين ذراعيها بعينين لا تعرفان الخضوع ولا تطلبان إذنا.
سارت دانا إلى المنتصف.
كل خطوة كانت إعلانا.
كل خطوة كانت تحديا لعالم لم يعترف بوجودها من قبل.
ثم صرخت.
صرخة واحدة.
لكنها شقت البذخ كما يشق الزجاج.
كيف تحتفلون بعد أن رميتم طفلا في القمامة!
انفجر المكان.
تعالت الأصوات.
تحرك الناس في كل اتجاه.
تراجع بعضهم بدهشة.
وصرخت أوليفيا وقد شحب وجهها تتراجع خطوة ثم أخرى تطلب الأمن تصف دانا بالمجنونة بالكاذبة بالخطيرة.
اندفع الحراس.
أمسكوا بدانا من ذراعيها.
طفلة صغيرة جسدها نحيل ترتجف غضبا وخوفا لكنها لم تفلت الرضيع. كانت ذراعاها كقفل بشري تحميه رغم القبضات رغم الصراخ رغم الفوضى.
بيأس وبحركة واحدة حاسمة أدخلت دانا يدها في جيبها.
وألقت السلسلة.
لم تكن رمية قوية.
لكن الصوت الذي أحدثته وهي تسقط على الأرض الرخامية كان أعلى من كل شيء.
انزلقت السلسلة قليلا حتى توقفت عند قدمي إليزابيث.
هاريسون.
خفضت إليزابيث نظرها.
رأت الاسم.
شعرت بشيء ينهار في داخلها.
ثم نظرت إلى الرضيع بين ذراعيها.
كان عنقه عاريا.
بلا سلسلة.
بلا لوحة.
بلا اسم.
في تلك اللحظة توقف الزمن.
لم تعد هناك موسيقى.
ولا بالونات.
ولا كلمات جاهزة.
انسكبت الحقيقة ثقيلة قاسية بلا تجميل.
اعترفت أوليفيا.
اعترفت بالحسد الذي أكلها ببطء.
بالغضب الذي جعلها ترى الطفل عبئا لا روحا.
اعترفت بأنها استبدلت الطفلين.
وبأنها حين شعرت أن الأمور خرجت عن سيطرتها وحين خافت أن تكشف اختارت أسهل طريق
التخلص من الرضيع.
لم يكن في صوتها ندم.
بل شيء أقرب إلى الكراهية وربما الفراغ.
ثم تكلمت دانا.
لم تصرخ.
لم تبك.
رفعت رأسها وقالت بصوت منخفض لكنه كان أثقل من كل الصراخ في القاعة
لا أملك شيئا. نمت في صندوق مبتل. جعت لأشتري الحليب. أنا أفقر منكم جميعا لكنني لن أؤذي طفلا قط من أجل المال. الفقر لا يجعلك قاسيا. الاختيار هو الذي يفعل.
ساد صمت طويل.
صمت لم يجرؤ أحد على كسره.
ثم اقتادوا أوليفيا وهي تجر تصرخ تقاوم لكن صوتها بدا بعيدا كأنه لا يخص أحدا بعد الآن.
شدت إليزابيث رضيعها الحقيقي إلى صدرها باكية لا تعرف هل تبكي خوفا أم ذنبا أم فقدان صورة كانت تعيش فيها.
وحين سألت دانا بصوت مرتجف عن ابن أوليفيا خيم الصمت من جديد.
نظر توماس هاريسون حوله ثم قال بصوت خافت لكنه واضح كأنه قرار لا رجعة فيه
لن يكون أحد وحيدا اليوم.
بعد أشهر كان ضوء الشمس يملأ حديقة واسعة.
لم تكن الحديقة فخمة كما في ذلك اليوم.
لم تكن هناك لافتات.
ولا بالونات.
لكنها كانت حقيقية.
ضحكات الأطفال لم تكن معدة للعرض.
والوجوه لم تكن مصقولة.
كانت دانا هناك.
نظيفة.
مرتبة.
تضحك.
تحمل الرضيع ديفيد بين ذراعيها وقد كبر قليلا وبدأ يتعرف على العالم بعينين فضوليتين بلا خوف.
لم تعد دانا تنام في صندوق.
لم تعد تخاف من الليل.
لكنها لم تنس.
جلست على العشب تنظر إلى ديفيد وشعرت لأول مرة أن صدرها خفيف.
وفهمت أخيرا ما لم تفهمه طوال حياتها
أحيانا لا تنقذك الحياة بالمعجزات.
وأحيانا تنقذك بعناد طيب لشخص لا يملك شيئا
ويرفض بكل بساطة أن يصبح قاسيا.
والسؤال الحقيقي ليس
ماذا تملك
بل
من اخترت أن تكون عندما كان بإمكانك أن تكون قاسيا

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى