
إرث الصبـر ( السـرّ المدفــ,ـون فـي الجـذور )
توالت الموافقات بعضها بصوت عال يحمل حماسة واضحة وبعضها بإيماءة واثقة لا تحتاج إلى شرح وبعضها بنظرة تقول نعم دون حاجة إلى الكلام. كان الإجماع واضحا لا لأن المشروع مغر من الناحية الاقتصادية فقط بل لأن الفكرة لامست شيئا أعمق من الحسابات شيئا يتعلق بالذاكرة والهوية وبالرغبة في أن يكون للعمل معنى يتجاوز الربح.
وفي نهاية اليوم حين خف الضجيج وتفرق الجمع جلست تتأمل الأشجار التي كانت يوما هياكل يابسة جذوعا متشققة لا حياة فيها وأصبحت الآن نابضة بالحياة. أوراقها خضراء وثمرها في طور التكوين وحركتها مع الريح تشبه تنفسا بطيئا مطمئنا. شعرت كأنها تنظر إلى مرآة تعكس رحلتها هي أيضا من الشك إلى الإصرار ومن الخۏف إلى الثقة.
اقترب منها دون سباستيان وقال بصوت هادئ يحمل خبرة السنين التي لا تدرس في الكتب
الأشجار صمدت أمام عواصف أقسى وأنت أيضا.
كانت كلماته بسيطة لكنها استقرت في قلبها بثقل جميل ثقل الاعتراف الصادق الذي يأتي بعد مسار طويل.
وفي تلك الليلة نامت تحت شجرة التفاح الأولى الشجرة التي بدأت منها الحكاية والتي شهدت لحظات الشك الأولى كما شهدت بوادر النهوض. نامت وهي تحلم ببساتين مزهرة تمتد إلى ما لا نهاية وبجذور عميقة تعود لتمنح العالم ثمارا جديدة لا على الأغصان فقط بل في العقول والقلوب وفي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الأرض والعمل والوقت.
وحين أغمضت عينيها فهمت أخيرا معنى الإرث الحقيقي.
ليس الأرض وحدها.
ولا الأشجار بحد ذاتها.
ولا حتى المنتجات مهما بلغت جودتها.
بل فرصة إعادة إحياء ما ظن يوما أنه ماټ إلى الأبد ومنحه سببا جديدا ليعيش ويدا تمتد إليه لا لتأخذه فقط بل لتحفظه وتكمله.





