
ظنّوها امرأة مكسـ,ـورة بعد الولادة… فاستيقظوا ليكتشفوا أنهم أهـ,ـانوا مالكة إمبراطورية لا تُهزم
المكان نفسه الذي طردت منه امرأة تنزف المكان الذي صرخت فيه وتكبرت وأهانت.
لكن هذه المرة لم يكن هناك جناح فاخر ولا أطباء خاصون ولا زوار كثر.
بل جناح الإحسان.
غرفة صغيرة بجدران باهتة سرير بسيط نافذة ضيقة وصمت طويل لا يكسره سوى صوت الأجهزة ونبض الذكريات.
دخلت صوفيا غرفتها ذات يوم. لم تدخل منتصرة ولم تدخل لتشمت. وقفت عند الباب لحظة وكأنها تمنح نفسها فرصة
للتراجع ثم تقدمت بخطوات هادئة.
رفعت دونيا إلفيرا رأسها بصعوبة. كانت ملامحها شاحبة وعيناها غارقتين في تعب لم تعهده من قبل. خرج صوتها بالكاد مسموعا
سامحيني
نظرت إليها صوفيا طويلا. لم يكن في نظرتها غضب ولا حقد ولا حتى عتاب. كانت نظرة إنسان رأى كل شيء وتجاوزه.
لن أعاقبك. قالت بهدوء.
ثم أضافت بصدق موجع لا يحتاج إلى تزيين
الحقيقة أقسى من أي عقاب.
استدارت لتغادر ثم توقفت عند الباب وقالت دون أن تنظر خلفها
هذا المستشفى وجد من أجل الأمهات
لا ليداس عليهن وهن ينزفن.
مر عام.
أصبحت صوفيا المديرة التنفيذية لمجموعة مونتيمايور لا بقرار مفاجئ ولا بورقة موقعة في اجتماع بارد بل بمسار طويل من الصمت والتعلم والاختبار. لم تتغير كثيرا في مظهرها لم تتباه بالأزياء ولم تبحث عن لفت الأنظار لكن حضورها تغير كليا. حين تدخل غرفة يسود الصمت قبل أن تتكلم لا خوفا منها بل احتراما لثقل ما تحمله.
صارت أكثر هدوءا لأن العاصفة مرت.
أكثر ثقة لأنها لم تعد بحاجة لإثبات شيء.
أكثر وضوحا لأنها دفعت ثمن الضباب ذات يوم وقررت ألا تعيشه مجددا.
كانت قراراتها حازمة لا تعرف التردد لكنها لم تكن قاسية. كانت إنسانيتها ظاهرة في كل مشروع تقوده في كل توقيع تضعه وفي كل اجتماع تنهيه بجملة واحدة
تذكروا خلف كل رقم إنسان.
أعادت هيكلة المستشفيات العامة من الجذور لا بالميزانيات وحدها بل بالعقلية. حسنت أقسام الولادة فرضت معايير كرامة لا تساوم خصصت دعما نفسيا وقانونيا للأمهات اللواتي لا يملكن صوتا أولئك اللواتي كن يهملن يكسرن ثم يطلب منهن الصمت. فتحت أبوابا كانت مغلقة منذ سنوات وأزالت لافتات غير مسموح التي لم تكن تعني سوى غير مهم.
لم تكن تتحدث عن تجربتها كثيرا لكنها كانت حاضرة في كل تفصيل في كل قرار يحمي امرأة من الإهـ,ـانة وفي كل نظام يمنع تكرار ما حدث معها.
أما طفلها
فكان عالمها الحقيقي.
كان ينمو بصحة ممتازة بعينين صافيتين وقلب لم يعرف الخوف بعد. يضحك كثيرا يمد يديه نحوها بثقة مطلقة وكأن وجودها وحده ضمان كاف. حين يناديها أمي كانت الكلمة تسقط في قلبها أثقل من أي لقب وأغلى من أي منصب. كانت تعلم دون أن تقال أن العالم ما دام بين يديها سيكون آمنا له.
وأما جيسون
فلم يبق له سوى الندم.
تنقل بين وظائف مؤقتة لا تدوم علاقات فاشلة تنتهي قبل أن تبدأ وليل طويل لا ينتهي مهما أشرقت الشمس. كان يعيش على الهامش يراقب الحياة تمر دون أن يشعر أنه جزء منها. كان يرى اسم صوفيا في الأخبار في افتتاح المستشفيات في المبادرات الإنسانية في العناوين الكبرى في كل مكان.
وكان يتذكر كل مرة تلك اللحظة الوحيدة التي انكسر فيها كل شيء. لم يحمل العالم ذنبه ولم يلع الحظ. في أعماقه كان يعرف الحقيقة
لم يخسر لأنها كانت قوية
بل لأنه كان أعمى.
بعد عامين صار اسم صوفيا رمزا للقوة الممزوجة بالرحمة. لم تعرف بانتقامها لأن الانتقام لا يترك أثرا دائما. عرفت بعدالتها بثباتها بقدرتها على تحويل الألم إلى نظام يحمي الآخرين. لم ترفع صورتها كضحية خرجت من تحت الركام بل كصانعة قرار اختارت أن تبني لا أن تحترق.





