
هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة
أشكال العنف. وأن الحقيقة لا تعيد الأموات لكنها تعيد كرامة الأحياء.
لم يبق من البيت القديم شيء. صارت الأرض خالية. ناقش المجلس البلدي ماذا يفعل بها موقف سيارات مركز مجتمعي نصب تذكاري كانت المناقشات حادة. لم يرد أحد فرض قرار. وأخيرا اتفقوا على شيء بسيط مساحة خضراء. شجرة. لوحة بلا أسماء كبيرة ولا كلام طنان فقط تاريخ وجملة كي لا يتكرر الأمر.
كان الافتتاح متواضعا. حضرت كارمن وحضرت لوسيا أيضا. تقدم رودريغو الشاب الذي عثر على الجثة وطلب من كارمن السماح. لم يكن يدري حتى لماذا. أخذت يده وقالت له إنه لا ذنب له وإنه بفضله عادت مارينا.
في تلك الليلة كتبت كارمن الرسالة الأخيرة. ليس لأنها لم يعد لديها ما تقوله بل لأنها شعرت لأول مرة أن صوتها لم يعد وحده البلدة بدأت أخيرا ترد.
ظلت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة بروتينات متوقعة ومشكلات يومية. لكن شيئا تغير إلى الأبد. الحقيقة حين تقال لا يمكن دفنها بالكامل مرة أخرى. تترك دائما شقوقا يدخل منها الضوء.
وفي تلك الشقوق وجدت الذاكرة مكانا لتبقى.
جاء الشتاء إلى سان فيسنتي ديل سور بقسوة خاصة ذلك العام. ليس بسبب البرد الذي يتسلل من جدران البيوت القديمة فحسب بل بسبب إحساس جماعي بأنهم يعيشون شيئا لا عودة عنه. لم تعد البلدة هي نفسها. وكان الجميع يعلم ذلك وإن لم يقله.
انتهت لجنة الذاكرة من عملها رسميا لكن آثارها ظلت تتسع كموجات في الماء. بدأ الأرشيف العام يستقبل زوارا باستمرار. ملفات صفراء تقارير ناقصة بلاغات أغلقت بلا تفسير. كان كثيرون يرون للمرة الأولى بأعينهم كيف صنع الصمت طوال عقود لا بفعل واحد عنيف بل بمئات القرارات الصغيرة الجبانة.
أدخل بعض المعلمين قصة مارينا ضمن دروس التاريخ المحلي. لا بوصفها فضولا بل تحذيرا. تحدثوا عن السياق وعن المسؤولية الجماعية وعن كيف يمكن لمجتمع بأكمله أن يفشل دون أن يكون الجميع مذنبين مباشرة. كان الطلاب ينصتون باهتمام مختلف. لم تعد القصة بعيدة إنها بلدتهم شوارعهم ألقابهم.
لكن لم يكن كل شيء تأملا هادئا. ظهرت مقاومة. بدأت مجموعة صغيرة لكنها صاخبة تتحدث عن انتقاميةوفتح جراح لا داعي لها. ظهرت كتابات مجهولة فجرا على جدار المقبرة كفى أكاذيب دعوا الموتى يرقدون. لم يعلن أحد مسؤوليته لكن الجميع فهم الرسالة الماضي لا يزال يعض.
تلقت كارمن اتصالات مجهولة. لم تكن تهديدات صريحة مجرد صمت طويل عند الرد وأنفاس على الطرف الآخر ثم إغلاق دون كلمة. لم تبلغ. لم ترد أن تعود إلى مخفر مرة أخرى. غيرت رقم الهاتف ومضت لكن كل رنين مفاجئ كان يشد جسدها كما لو أنها عادت قاصرا.
أما لوسيا فقررت ألا تتراجع. بدأت تتعاون مع منظمة حقوقية إقليمية. كانت تسافر إلى بلدات قريبة تشارك في محاضرات وورش ولقاءات. وفي كل مكان كانت تجد قصصا مشابهة أسماء مختلفة آليات متطابقة تقريبا. فهمت أن مارينا ليست استثناء مأساويا بل جزء من نمط أوسع وأكثر إزعاجا.
في أحد اللقاءات اقترب منها رجل بعد النهاية. كان في الستين تقريبا يرتدي ببساطة. قال إنه عاش في سان فيسنتي في السبعينيات ثم غادر بعد اختفاء مارينا بقليل. لم يعد منذ ذلك الحين حتى الآن. لم يرد أن يذكر اسمه كاملا. قال فقط إنه رأى شيئا شيئا لم يجرؤ على قوله. طلب أن يتحدثا على انفراد.
جلسا في مقهى شبه خال. تكلم الرجل بسرعة كأنه يخشى أن يفقد شجاعته. قال إنه في إحدى ليالي 1976 رأى شاحنة بلدية متوقفة قرب بيت مهجور. سمع صراخا. رأى رجلين يدخلان ويخرجان. وتعرف على أحدهما كان مسؤولا ذا نفوذ. لم يذكر الاسم لكن لوسيا عرفت فورا من يقصد. قال إنه غادر البلدة بعد أسابيع ولم يخبر أحدا. حتى الآن.
دونت لوسيا كل شيء وسجلت شهادته بإذنه. كانت تعلم أن ذلك لن يغير كثيرا قانونيا فالأزمنة القضائية مضت والمسؤولون المباشرون ماتوا أو حمتهم التقادمات. لكنها كانت تعلم أيضا أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى محكمة كي تكون حقيقية.
وصلت الشهادة إلى كارمن عبر لوسيا. استمعتا إليها معا بصمت. لم تبك كارمن ولم تصرخ. أغمضت عينيها وأخذت نفسا طويلا. وحين انتهى التسجيل قالت شيئا فاجأ لوسيا الآن نعم.
لم تشرح أكثر. لكن لأول مرة منذ سنوات لم ترتجف نبرتها.
بعد أيام طلبت كارمن أن تتحدث في الإذاعة المحلية. لم توافق سابقا أبدا. جاءت ومعها دفتر. لم تقرأ كل شيء. قرأت جملا قليلة. تحدثت عن مارينا كابنة لا كضحية. روت حكايات صغيرة ضحكات مشاحنات أحلام. ثم تحدثت عن الصمت وعن كيف يورث الخوف وعن كيف أن كسره مؤلم لكنه شفاء.
تلقى البرنامج عشرات الاتصالات. بعضها داعم وبعضها مزعج. قال رجل إن هذا يكفي. ردت كارمن بهدوء الذي كان كافيا هو الصمت.
ظلت هذه العبارة تتردد في البلدة أسابيع.
أما الأرض التي كان البيت عليها فبقيت خالية. ناقش المجلس ماذا يفعل بها. بعد جدال طويل اتفقوا على أن يكون هناك مكان أخضر وشجرة ولوحة صغيرة كي لا يتكرر الأمر. كان الافتتاح متواضعا كما أرادوا. حضرت كارمن. حضرت لوسيا. جاء رودريغو وطلب الصفح. أمسكت كارمن بيده وقالت إنه لا ذنب عليه وإن مارينا عادت بفضله.
في تلك الليلة كتبت كارمن الرسالة الأخيرة. لا لأنها لم تعد تملك ما تقول بل لأنها شعرت لأول مرة أن الكلام لم يعد يخرج منها وحدها البلدة بدأت أخيرا ترد.
مرت الشهور وبدأ الضجيج الأول يهدأ. توقفت البرامج عن ذكر القضية. رحل الصحفيون. انشغلت الشبكات الاجتماعية بغضب جديد. لكن الصمت الذي عاد لم يكن صمت الأمس لم يعد فراغا مفروضا بل مساحة أصدق. صار كل جار يعرف ما الأسئلة التي بقيت معلقة وإن بلا جواب نهائي.
بدأت كارمن تنام أفضل. ليس كل ليلة لكن بعض الليالي. كانت ترى مارينا في الأحلام بطريقة جديدة لم تعد ضائعة ولا خائفة. في الأحلام كانت جالسة على طاولة المطبخ أو تمشي في شارع بيلغرانو وحقيبتها البنية على كتفها. أحيانا لا تقول شيئا وأحيانا تبتسم. كانت كارمن تستيقظ باكية نعم لكن مع هدوء لم تعرفه من قبل.
واصلت لوسيا عملها. أصدرت كتابا صغيرا يضم شهادات من الإقليم. لم توقعه وحدها أصرت أن يكون عملا جماعيا. في العرض قالت إن الذاكرة ليست خطا مستقيما بل أرضا نعود إليها مرات كثيرة من زوايا مختلفة.
أما الرجل الذي قدم الشهادة المجهولة فلم يظهر مجددا. لم يسمع أحد عنه شيئا. فهمت لوسيا أنه قال كل ما استطاع. أحيانا تكون الشجاعة أن تقول مرة واحدة ثم تمضي.
قررت البلدية بعد نقاشات طويلة إدراج قضية مارينا سانتوس رسميا في الأرشيف التاريخي المحلي لا كملف شرطة بل كجزء من تاريخ البلدة. أنشئ ركن صغير في المكتبة العامة صور قصاصات صحف وثائق روايات. كل شيء متاح للجميع بلا تهويل ولا إخفاء.
زارت مجموعة من طلاب الثانوية المكتبة ضمن نشاط مدرسي. اقتربت فتاة في الخامسة عشرة من كارمن بعد ذلك بخجل وقالت إنها تريد دراسة الخدمة الاجتماعية وإنها قرأت قصة مارينا ولا تستطيع التوقف عن التفكير فيها. استمعت كارمن باهتمام وشكرتها. وعندما غادرت الفتاة فهمت كارمن شيئا لم تستطع صياغته سابقا الذاكرة لا تعيد ما فقد لكنها تغير ما سيأتي.
حل العام الخمسون على اختفاء مارينا دون مراسم رسمية كبيرة. لم يرد أحد تحويله إلى احتفال فارغ. لكن حدث شيء مسيرة صامتة غير منظمة لكنها وقعت. أناس يخرجون من بيوتهم يلتقون في الشوارع ويسيرون نحو المكان الأخضر. بعضهم يحمل زهورا وبعضهم لا. لم يتحدث أحد. لم تكن هناك حاجة.
تركت كارمن رسالة مطوية عند جذع الشجرة. لم تقرأها بصوت عال. لم تكن للجمهور. كانت لها ولمارينا وللفتاة التي كانتها وللمرأة التي صارتها.
في تلك الليلة حين عادت إلى بيتها فتحت صندوقا أبقته مغلقا عقودا. في داخله كانت الرسائل والصور والأشياء الصغيرة. هذه المرة لم تنظر إليها بعجلة الألم بل ببطء الاعتراف. صار لكل شيء مكانه. لم ترم أي قطعة ولم يخف شيء.
قبل أن تنام أطفأت كارمن الضوء وبقيت تحدق في السقف لحظة. فكرت في الماضي نعم لكنها فكرت أيضا في الغد في الخبز الذي ستشتريه في الاتصال الذي عليها إجراؤه في الحياة التي تستمر لا رغم كل شيء بل وهي محمولة بكل شيء.
لم تصبح سان فيسنتي ديل سور بلدة مثالية. بقيت فيها مشكلات وظلم وخلافات. لكن شيئا أساسيا تغير لم يعد ممكنا أن تتظاهر بأنها لا تعرف. وهذا المعرفة المزعجة المستمرة أصبحت شكلا من أشكال العناية.
لم تكن قصة مارينا ذات نهاية سعيدة لكن كان لها ما بدا مستحيلا طويلا حقيقة مشتركة. وفي تلك الحقيقة الناقصة والمتأخرة وجدت البلدة طريقة لتواصل السير دون أن تتركها خلفها.
لأن هناك أسماء لا تعود لكنها أيضا لا ترحل تماما. تبقى كالجذور تسند ما لا يزال يمكن أن ينمو.





