قصص قصيرة

ظل خفي حكايات اسما

أجابت المرأة
شبكة ابتزاز دولية تستهدف الرجال المسافرين ورجال الأعمال يزرعون امرأة في حياتهم تتزوج أحدهم وتجمع كل ما تستطيع من معلومات وتوقيعات ثم يسرقون كل شيء ويختفون
قال سامر بصوت مرتعش
لكن الشرطة قبضت عليها
ابتسمت المرأة ابتسامة حزينة وقالت
هل تعتقد أنهم كانوا يعملون وحدهم
سادت الغرفة موجة صمت ثقيل قبل أن تخرج المرأة ظرفًا صغيرًا من حقيبتها وتضعه على الطاولة قالت
وجدت هذا في شقتي بعد اختفاء ليلى منذ أشهر كنت أخشى فتحه لكن بعد ما حدث أدركت أنكم يجب أن تروا ما بداخله
فتح سامر الظرف بيد مرتجفة وسحب ورقة واحدة تجمدت عيناه وهو يقرأ الكلمات بصمت ثم رفع رأسه ببطء وقال
هذا مستحيل
سألته أمينة بقلق
ما الذي حدث
ناولها الورقة فقرأت عنوانها العريض
وثيقة تأمين على الحياة باسم سامر بقيمة ضخمة جدًا والمستفيد الوحيد منها زوجته
رفعت أمينة رأسها وهي تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها وقالت بصوت مبحوح
لكنها لم تستطع تنفيذ ذلك
هزت المرأة رأسها ببطء وقالت
لو بقيت أسبوعًا واحدًا إضافيًا فقط لكان الأمر انتهى بحادث عرضي أو جرعة دواء خاطئة أو أي طريقة أخرى لا تثير الشك
جلس سامر صامتًا طويلًا قبل أن يهمس
إذن كنت مجرد هدف
نظرت إليه أمينة بعينين دامعتين وقالت
كنت حياة كاملة كادت تُسرق
في تلك اللحظة رن هاتف سامر برقم مجهول تردد قبل أن يجيب جاءه صوت رجولي بارد يقول
أنت محظوظ لأن والدتك كانت يقظة لكن الحظ لا يدوم دائمًا
انقطع الاتصال قبل أن يرد
تبادل سامر وأمينة نظرة صامتة أدركا فيها أن الخطر لم يختفِ بل ابتعد خطوة واحدة فقط
وفي تلك الليلة حين خيم الصمت على البيت شعرت أمينة أن حدسها الذي أنقذ حياتهما لن يسمح لها بالنوم بسهولة بعد الآن لأنها أدركت أخيرًا أن النجاة ليست نهاية القصة بل بداية حياة جديدة يعيشها الإنسان وهو يفتح عينيه جيدًا حتى في أكثر اللحظات هدوءًا.

ظل صدى المكالمة الأخيرة يطن في رأس سامر كجرس إنذار لا يتوقف بينما جلس أمام النافذة يحدق في الشارع الخالي كأن كل سيارة تمر تحمل تهديدًا خفيًا قالت أمينة وهي تراقبه من بعيد
لن نستسلم للخوف يا بني
التفت إليها وقال بصوت متعب
أنا لا أخاف على نفسي فقط أخاف عليك أنت
اقتربت منه وربتت على كتفه وقالت
الخوف الحقيقي أن نعيش بلا وعي وقد انتهى ذلك
في الأيام التالية حاول سامر العودة إلى عمله بينما بدأت الشرطة التحقيق في الشبكة التي ارتبط اسم ليلى بها لكن الأخبار كانت شحيحة والطمأنينة لم تعد تزور البيت بسهولة وفي مساء غائم جلس الاثنان يشاهدان الأخبار عندما ظهر خبر عاجل عن حادث هروب داخل سيارة ترحيلات في طريقها إلى السجن لم يذكر الاسم لكن أمينة شعرت بانقباض مفاجئ في صدرها وقالت
أشعر أن الأمر يخصنا
لم تمضِ دقائق حتى رن الهاتف مرة أخرى الرقم مجهول كما في المرة السابقة أجاب سامر بصمت فجاءه الصوت ذاته ببرودة قاتلة
قلنا لك إن الحظ لا يدوم
سقط الهاتف من يده وهو يهمس
لقد هربت
أدركت أمينة أن الفصل الأخطر لم يبدأ بعد وأن النجاة السابقة لم تكن سوى تأجيل للحظة المواجهة
مر أسبوع ثقيل بلا أحداث حتى جاء صباح بدا عاديًا على نحو مخادع خرج سامر إلى عمله بينما بقيت أمينة وحدها في المنزل ترتب الغرف كما اعتادت منذ سنوات وفي أثناء تنظيفها خزانة غرفة سامر لاحظت صندوقًا خشبيًا صغيرًا لم تره من قبل فتحته بدافع الفضول لتجد داخله ألبوم صور قديمًا
تصفحت الصور ببطء ابتسامات طفولة وأعياد ميلاد ومدرسة وأصدقاء حتى وصلت إلى صورة توقف عندها قلبها طفل صغير يقف إلى جوار سامر في حديقة عامة يحملان الكرة نفسها ويضحكان كتبت خلف الصورة عبارة بخط زوجها الراحل
سامر مع صديقه كريم
همست أمينة
كريم
الاسم الذي لم تسمعه منذ سنوات صديق الطفولة الذي اختفى فجأة دون وداع
قبل أن تكمل التفكير سمعت صوت المفتاح يدور في الباب الرئيسي في وقت مبكر جدًا عادت خطواتها مسرعة إلى الممر وهي تنادي
سامر هل عدت مبكرًا
لكن الصوت الذي أجاب لم يكن صوته
قال بهدوء بارد
اشتقت إلى هذا البيت
تجمدت في مكانها عندما رأت الرجل يقف في المدخل ملامحه مألوفة لكنها تغيرت كثيرًا عيناه تحملان قسوة غريبة وابتسامة هادئة كأنها محفورة قال
مر وقت طويل يا خالتي أمينة
همست بصعوبة
كريم
ابتسم وقال
نعم لقد كبرت كثيرًا منذ آخر مرة رأيتني فيها
تراجعت خطوة وهي تشعر بأن الماضي كله يعود دفعة واحدة وقالت
لماذا أنت هنا
أجاب وهو يتقدم ببطء
لأن اللعبة انتهت قبل أن تكتمل وليلى ارتكبت خطأ حين سمحت لك بالشك
ارتجف صوتها
أين سامر
رد بهدوء
في طريقه إلى هنا لن أقلق لقد تأكدت من ذلك بنفسي
في تلك اللحظة دوى صوت سيارة تتوقف بعنف خارج المنزل ثم صوت خطوات سريعة على الدرج وفتح الباب بقوة دخل سامر وهو يلهث وعندما رأى الرجل تجمد مكانه
كريم
قالها بصوت مخنوق بين الدهشة والغضب
ابتسم كريم وقال
اشتقت إليك يا صديقي القديم
صرخ سامر
أنت كنت خلف كل شيء
أومأ كريم برأسه وقال
كنت فقط أرتب مستقبلي كنت دائمًا أذكى منك لكنك كنت محظوظًا أما الآن فقد انتهى الحظ
اقترب سامر خطوة وقال
لن تحصل على شيء
ضحك كريم بهدوء وقال
بل حصلت على كل شيء بالفعل
ثم أخرج من جيبه ملفًا صغيرًا ورماه على الطاولة فتحه سامر بيد مرتجفة ليرى نسخًا من توقيعاته وصورًا لحساباته وتوكيلات باسمه مزورة قال كريم
كنت دائمًا أثق بي وهذا كان كافيًا
صرخ سامر
لن تنجو من هذا
أجاب كريم بنبرة باردة
لم آتِ لأهرب بل لأودع
ثم التفت نحو أمينة وقال
لو لم تتصنتي تلك الليلة لكان كل شيء انتهى بهدوء حادث بسيط أو جرعة خاطئة لكنك أفسدت الخطة
وقبل أن يتحرك أحد دوى صوت صفارات الشرطة في الخارج اقترب كريم من الباب وتوقف لحظة ثم نظر إلى سامر بعينين غريبتين وقال
كنت دائمًا أخاك الذي لم يولد لكنك اخترت أن تبقى منافسي
فتح الباب وخرج بهدوء رافعًا يديه مستسلمًا
وقفت أمينة وسامر في صمت طويل قبل أن ينفجر سامر باكيًا للمرة الأولى منذ طفولته احتضنته أمه وقالت
انتهى الأمر يا بني
لكن سامر همس بصوت مكسور
لم ينتهِ شيء لقد خسرنا صديقًا لم نعرف يومًا أنه كان عدوًا
في تلك اللحظة أدركت أمينة أن النهاية الصادمة لم تكن الجريمة ولا الخيانة بل الحقيقة القاسية أن أخطر الغرباء هم أولئك الذين نشأنا معهم وفتحنا لهم أبواب قلوبنا دون أن نعرف أنهم كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة ليصبحوا غرباء للأبد.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى