قصص قصيرة

اخ.تفاء موظفة عام 1997 بعد خروجها لتحصيل مستحقاتها

بجهد مشترك، تمكنا من رفعها. ما ظهر أسفلها لم يكن تربة عادية، بل طينًا مائلًا للاحمرار، مشبعًا بمياه راكدة ورائحة احتباس خانقة. كان هناك تجويف واضح يختبئ تحت الخرسانة الثقيلة.

داخل الحفرة، وتحت ثقل البلاطة لسنوات، برز غرضان أنهكهما الزمن. حقيبة بيج فاتح، ممزقة وملطخة بالطين الجاف، وبجوارها بلوزة نسائية عنابية بأزرار منفصلة وألياف متآكلة لكنها مرئية.

رغم الاتساخ وبهتان اللون، بقيت الدرجة العنابية واضحة. أبلغ أوسكار المشرف فورًا. خلال وقت قصير، حضرت دورية احترازية، طُوِّق المكان بالشريط، واستُدعيت النيابة العامة لفتح المعاينة الرسمية للموقع.

لساعات، فحص الخبراء التجويف بعناية. لم تظهر بقايا عظمية مرئية؛ فقط الغرضان الغارقان في الطين. بدا أن الوحل حفظ جزءًا من المواد، دون دلائل إضافية مباشرة.

كانت دونيا إلفيرا تمرّ مصادفة. توقفت عند المشهد، وحدقت طويلًا قبل أن تسأل بصوت مرتجف: أليس هذا ما يخص غوادالوبي؟ ارتدت الكلمات في المكان كصدى قديم ومؤلم.

في ذلك المساء، وصل الخبر إلى منزل شارع سيدروس كهمسة ثقيلة لا تُصدَّق. لم يكن اتصالًا رسميًا، بل طرقًا مترددًا على الباب. جارٌ قال إن الشرطة وجدت شيئًا. شيئًا قد يعنيهم.

تجمدت مريام لثوانٍ قبل أن تتحرك. أمسكت صورتها القديمة، ذات الحواف المهترئة، وانطلقت. الطريق القصير بدا أطول من أربعة عشر عامًا. كل خطوة أعادت نبضًا دفـ,ـنته الأيام بصعوبة.

عند الشريط الأصفر، وقفت تحدق في الأرض التي عَبَرتها مئات المرات دون أن تشك. نفس الزاوية. نفس الرصيف. نفس الصمت. لكن شيئًا انكسر أخيرًا تحت الخرسانة.

طلبت رؤية الأغراض. تبادل العناصر نظرات حذرة. ثم أُخرجت الحقيبة أولًا. بيج فاتح، مقبضها متآكل، وخيط مميز كانت قد أصلحته بنفسها ذات شتاء بعيد.

لم تبكِ. لم تتكلم. فقط مدت يدًا مرتعشة ولمست الجلد الموحل. الإحساس كان كافيًا. بعدها ظهرت البلوزة. عنابية. أزرار غير متطابقة. بقعة باهتة عند الكُم.

همست: هذه لها.

تحول الاكتشاف إلى إجراء. أُعيد فتح الملف. وأُعلن عن إعادة فتح التحقيق رسميًا بعد توثيق العثور على المتعلقات. تغيّر توصيف القضية، وانتقلت من “غياب طوعي محتمل” إلى شبهة اختفاء قسري، مدعومة بعنصر مادي لا يمكن إنكـ,ـاره أو تبريره.

استُدعيت مريام مجددًا. جلست أمام محقق جديد لم يعرف تفاصيل السنوات الماضية، وأعادت الحكاية من بدايتها؛ نفس التاريخ، نفس الملابس، نفس العنوان الذي قاد إلى فراغ طويل.

لكن، رغم الزخم الأولي، بقيت فجوة أساسية عصيّة على الردم.

لم تكن هناك جـ,ـثة.

لم تُسجَّل بقايا بشرية.

لم يظهر دليل جنائي مباشر يحدد مسرح جـ,ـريمة أو سبب وفـ,ـاة أو هوية فاعل. حقيبة وبلوزة فقط، محفوظتان جزئيًا في طين راكد، بلا شاهد يروي ما حدث بين الخروج والاختفاء.

أشار التقرير الفني إلى محدودية الاستنتاجات. المتعلقات مؤكدة النسبة، نعم. لكنها لا تُثبت وحدها كيفية وقوع الجـ,ـريمة ولا زمنها ولا أطرافها. دليل ناقص في معادلة تتطلب اكتمالًا لا يتوفر.

عاد المحققون إلى الحي. سألوا من جديد. ذاكرة الجيران كانت أضعف من أن تُسعفهم. وجوه تغيّرت، وعائلات رحلت، وتفاصيل تآكلت تحت ثقل الأعوام.

أما اسم فرجينيا دي لا توري فلم يظل بعيدًا كما بدا أول الأمر.

بعد أسابيع من إعادة الفحص وتتبع سجلات قديمة، ظهر خيط باهت: عنوان مرتبط باسمها في حي آخر. لم يكن يقينًا، لكنه كان كافيًا لإرسال فريق تحرٍّ.

وجدوها.

امرأة تقدمت في العمر، تعيش بهدوء خلف باب معدني باهت. لم تُبدِ مقاومة. أنكرت معرفتها بأي شيء عن غوادالوبي، وكررت رواية مقتضبة: تركت العمل منذ سنوات، ولا تعلم ما حدث بعدها.

نُقلت للإفادة.

ساعات من الأسئلة. تناقضات طفيفة، لا ترقى إلى اعتراف. لا شاهد مباشر. لا تسجيل. لا أثر بيولوجي. ولا شيء يربطها قانونيًا بمصير امرأة اختفت قبل أربعة عشر عامًا.

كانت المتعلقات وحدها تتكلم.

لكن القانون يحتاج أكثر من شك. يحتاج دليلًا صلبًا، رابطًا لا يحتمل التأويل. ومع غياب الجـ,ـثة وأداة الجـ,ـريمة والسياق الجنائي المكتمل، بقي الاتهام مستحيلًا.

أُخلي سبيلها.

تقدّم التحقيق خطوة كبيرة… ثم اصطدم بالجدار ذاته.

ومع غياب عنصر حاسم، بقي الملف مفتوحًا شكليًا، معلّقًا عمليًا. لا إغلاق ممكن بلا حقيقة كاملة، ولا إدانة بلا دليل يتجاوز الحقيبة والبلوزة.

بالنسبة للعائلة، كان المشهد أقسى من الصمت.

الشخص الذي انتظروه سنوات ظهر أخيرًا…

ثم عاد إلى حياته.

أما غوادالوبي، فبقيت حيث تركها الزمن: في قلب قضية بلا خاتمة، وأسئلة لا تهدأ.

أُغلقت القضية رسميًا، وسُجّلت كاختفاء غير محلول. انتهت الأوراق، وطُويت المذكرات، وخفتت الضوضاء التي صاحبت إعادة فتح الملف، لكن الفراغ الذي تركته غوادالوبي لم يعرف طريقه إلى السكون يومًا.

انتهى كل شيء رسميًا… إلا في قلوب أولادها.

لم يعد هناك محققون يطرقون الباب، ولا استدعاءات، ولا وعود. فقط بيتٌ تعلّم التعايش مع الغياب، وصورةٌ لم تغادر مكانها، وذكرى تقاوم الزمن بصمتٍ ثقيل وعنيد.

مريام ما زالت تذكر تفاصيل ذلك الصباح.

إدواردو ما زال يلتفت كلما لمح ملامح مألوفة.

روسيو ما زالت تهمس باسم أمها في دعائها.

القضية أُغلقت.

لكن الحكاية… لم تنتهِ

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى