قصص قصيرة

زوجتي كانت الملاك المثالي… حتى سمعت ابنتي تتوسل خلف الباب المغلق

كانت زوجتي الملاك المثالي للعالم ولكن في إحدى الليالي عدت إلى المنزل دون سابق إنذار وسمعت ابنتي البالغة من العمر 6 سنوات تتوسل من خلف باب مغلق. ما اكتشفته غير كل شيء. أمي من فضلك أعطنا بعض الطعام. أتوسل إليك لا تؤذينا. جاء ذلك النداء المرتعد والخائف ابنتي البالغة العمر 6 سنوات لوسيا.

شعرها مكسور بالدموع سقط على فستان وردي متسخ ممزق. جلست الأرضية الرخامية الباردة تمسك بأخيها الصغير سانتياغو وهو طفل يبكي الجوع. لقد غبت لأشهر ضائع في عملي حزينا وفاة زوجتي الأولى. تركت أطفالي رعاية صديقتها المفضلة كاميلا المرأة التي أصبحت الجديدة. إلى الجميع كانت مثالية أنيقة حلوة خيرية.

ملاك ليعيد بناء عائلتنا المحطمة. ولكن تلك الليلة عدت المنزل بدون سابق إنذار. وفي صمت قصري اكتشفت الحقيقة. رأيت زوجتي وثقت بها بشكل عمياء تقف أمام المرتجفين. رأيتها تسقط الزجاجة عمدا تسكب الحليب الأرض وهم يحدقون إليها بعيون مرعوبة. الصمت قال صوتها سكين بارد لم أتعرف عليه. إذا تطيعني سأطردك.

هذا المنزل كلمتي هي القانون. يدها ترتفع مستعدة لضـ,ـرب الصغيرة. اللحظة تحطم عالمي المثالي. الملاك الذي أعجب به الجميع كان وحشا خلف الأبواب المغلقة وكان يعيشون جحيما أكن أتخيله حتى. منزلي يكن منزلا سجنا. وأنا والدهم كنت السجان الأكثر أعمى الإطلاق. المعركة اندلعت الليلة تكن لحضانة احمد

المعركة التي اندلعت في تلك الليلة لم تكن لحضانة أطفالي فقط؛ بل كانت لاستعادة روحي وإعادة الطفولة التي سرقت منهم

لم أصرخ. لم أتهجّم. فقط تقدّمتُ خطوةً واحدة، كافيةً لأقف بين كاميلا وأطفالي. وضعتُ يدي على كتف لوسيا، شعرتُ برجفتها الصغيرة وكأنها طائر مبتلّ في ليلة شتاء. رفعتُ سانتياغو بذراعٍ واحدة فأحاط عنقي بذراعيه، ومن أنينه أدركتُ أن الجوع لا يبكي وحده، بل يبكي معه الخوف. نظرتُ إلى كاميلا طويلًا، وكانت عيناي تقولان ما لا يقوله لسان: انتهى كلُّ شيء.

فتحتُ الباب الخلفي للمطبخ، مرّ هواء الليل البارد مثل نهرٍ صغير على وجوهنا. ناولتُ لوسيا زجاجة ماء، وغسلتُ يدي سانتياغو ومسحتُ خديْه بمنديل دافئ. عدتُ إلى الداخل، التقطتُ الزجاج المكسور قطعةً قطعة، لا لأنني أخشى الفوضى، بل لأنني لا أريد لأقدام «طفولتي الجديدة» أن تُجـ,ـرَح مرّة أخرى. حين فرغتُ، التفتُّ إلى كاميلا التي تجمّدت في مكانها، وقلتُ بصوت هادئٍ لا يشبه الغضب: اتركي المنزل الآن. لا شأن لكَما بي بعد اليوم.

تكلّمت، حاولت أن تبرّر وتبكي وتتعجّل الغفران، لكنَّ الباب كان أسرع. خرجت، ولأول مرة منذ شهورٍ شعرتُ أنّ البيت يتنفّس.

في تلك الليلة، نمتُ على أرضية غرفة الأطفال. مددتُ ذراعيَّ تحت رؤوسهم مثل وسادتين. نام سانتياغو على صدري، ولوسيا تشبّثت بقميصي كما تتمسّك براعم الربيع بعشبٍ خجول. لم أنم. ظللتُ أعدُّ أنفاسهم، وأعتذر بصمتٍ يليقُ بالأب الذي تأخّر كثيرًا: سامحوني… سامحوني أني ظننتُ أن الطيبة المعلنة تكفي. سامحوني أني أبٌ أعمى حين كان الضوء أمامي.

مع الفجر بدأ البيت يلمع بشيءٍ من الحياة. غسلتُ الأطباق، رتّبتُ الطاولة، غلّيتُ الحليب ووضعتُ بجانبه عسلًا وقطعًا من الخبز المحمّص. كان المشهد بسيطًا، لكنه بالنسبة إليّ يشبه عودة سفينةٍ إلى الميناء بعد ضياع. جلستُ قبالة لوسيا، أعطيتها كوبًا دافئًا، تردّدت، ثم شربتْ. رفعتُ عينيها إلى عينيّ، رأيتُ سؤالًا صغيرًا يلمع: «هل ستبقى؟» فأجبتها

دون صوت وأنا أربّتُ على يدها: نعم، سأبقى.

لم يُصبح الطريق بعد ذلك معبّدًا بالياسمين. الخوف، حين يدخل قلب طفل، يحتاج صبر بستانيّ طويل. في الأيام الأولى، كانت لوسيا تنتفض إذا انكسر شيء، وإذا ارتفع صوتٌ عابرٌ في التلفاز كانت تلوّذ بظهري. وسانتياغو كان يستيقظ ليلًا يبحث عن الماء ولا يسأل. علّمتُ نفسي أن أُطمئن قبل أن أشرح، وأن أحتضن قبل أن أُقنع. كلُّ مساءٍ قرأتُ عليهما سورةً قصيرة، ثم حدّثتهما عن أمّهما: كيف كانت تضحكُ حين تقعُ قطرةُ قهوةٍ على طرف الفنجان، وكيف كانت تغنّي باسمَيْهما وهما نائمان. لم أتحدّث عن المـ,ـوت. تحدّثتُ عن حياةٍ كانت، وعن حياةٍ يجب أن تكون.

قدّمتُ طلبَ إجازةٍ مؤقتة من عملي، ثم عدتُ إليه برجاءٍ أن يسمحوا لي بالعمل عن بُعد. لم أكن أعرف «أونلاين» إلا كنافذةٍ تمرُّ منها الرسائل. تعلّمت. صمّمتُ مكتبًا صغيرًا قرب نافذة المطبخ؛ على يميني نبات صبارٍ نحيل جاءنا هديةً يوم ولادة سانتياغو، وعلى يساري لوحةٌ رسمتها لوسيا بألوانٍ مائية: بيتٌ له شباكان وبابٌ أزرق كبير، وطفلان يضحكان. كتبتُ في أسفل اللوحة تاريخ ذلك اليوم، لأنّ الأيام التي تستعيد فيها بيتك تستحقّ أن تُؤرَّخ.

المواعيد صارت قانوننا: صباحًا، نرافق لوسيا إلى المدرسة، يدٌ في يد، وسانتياغو يتدلّى على كتفي كحقيبةٍ هادئة. ظهرًا، نأكل معًا مهما كان الانشغال، ولو خبزًا وجبنًا وسلطةً من خيارٍ مقطّعٍ على شكل قلوب. عصرًا، نرسم. كنتُ أردّد: «ارسموا بيتنا كما تحبّونه»، فترسم لوسيا شرفةً تفيضُ بالزهور، ويرسم سانتياغو سيارةً بأجنحةٍ تطير بنا إلى البحر. مساءً، نتدرّب على الشجاعة: نتكلّم بصوتٍ واضح، نسأل حين نخاف، ونقول «لا» حين يُؤذينا شيء.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى