
ظنّوا أن الأم ضحية سهلة… حتى اكتشفوا الحساب الذي لم يحمل اسمها!
الابن طاعة لزوجته أفرغ مال والدته.
كان الجميع يظن أن الأم ستكون الضحية
لكن الحساب المجمد لم يكن يحمل اسمها.
في الحي القديم من سانتا ماريا ديل ريو كان الجميع يعرف دونيا تيريزا. أرملة منذ أكثر من خمسة عشر عاما قضت نصف حياتها تبيع الطعام المنزلي أمام مدرسة ابتدائية. كل بيزو كانت تكسبه كانت تحتفظ به بعناية لا بدافع الطمع بل بدافع العادة. كي لا أكون مدينة لأحد كانت تقول دائما.
نشأ ابنها الوحيد خوليان وهو يرى أمه تعد العملات تحت ضوء مصباح أصفر قديم. أقسم يوما أنها لن تعود تقلق بشأن المال. ولفترة من الزمن وفى بوعده. حصل على عمل في شركة نقل وتزوج من لورينا وبدأ يساعد دونيا تيريزا في الإجراءات المصرفية.
أمي اليوم كل شيء أصبح رقميا كان يقول خوليان من الأفضل أن أتولى الأمر.
لم تكن دونيا تيريزا تشك في ابنها. كانت توقع حيث يشير وتستمع دون أن تسأل كثيرا. بالنسبة لها كانت العائلة لا تزال تعني الحماية.
أما لورينا فكانت تنظر إلى الأرقام بعينين مختلفتين. لم ترفع صوتها ولم تجادل. كانت فقط تزرع الأفكار.
أمك أصبحت كبيرة في السن كانت تهمس ماذا لو مرضت يوما ماذا لو تعرضت للسرقة الأضمن أن يكون المال في حساب مشترك. هكذا تحمونه معا.
تردد خوليان في البداية. لكن كلمة الأمان تزداد ثقلا حين تأتي ملفوفة بالقلق.
في صباح عادي اصطحب خوليان والدته إلى البنك. ابتسم وتحدث مع الموظف التنفيذي وطلب بعض الإجراءات المؤقتة. وقعت دونيا تيريزا دون أن تقرأ. لم تكن المرة الأولى.
في تلك الليلة أصبح كل ادخارها سنوات من العمل والتضحيات في حساب مشترك باسم خوليان ولورينا.
لم تعلم دونيا تيريزا بذلك فورا. واصلت روتينها السوق القداس القهوة مع الجارات. لكن شيئا ما بدأ يتغير. بطاقتها المصرفية توقفت عن العمل.
لا بد أنه خطأ فكرت.
في اليوم التالي ذهبت إلى البنك. كتبت الموظفة الشابة بضع ثوان ثم عقدت حاجبيها.
حسابك فارغ سيدتي.
شعرت دونيا تيريزا ببرودة تصعد في ظهرها.
هذا غير ممكن قالت هناك كل ما أملك.
راجعت الموظفة البيانات مجددا.
تم تحويل الأموال قبل ثلاثة أسابيع. بموافقتك.
لكن دونيا تيريزا لم تجادل.
لم ترفع صوتها.
لأنها في تلك اللحظة فهمت شيئا لم يكن أحد في ذلك الفرع المصرفي يعلمه
ما بدا خيانة كان على وشك أن يتحول إلى درس لن ينساه أحد.
خرجت دونيا تيريزا دون نقاش. سارت ببطء إلى منزلها. لم تبك. جلست على السرير وحدقت في الجدار. وللمرة الأولى لم تفكر في المال بل في كلمة موافقة.
في تلك الليلة عاد خوليان متأخرا. وجد أمه مستيقظة.
يا بني قالت أين مالي
ابتلع خوليان ريقه. وظهرت لورينا من المطبخ.
أمي لا تنفعلي قالت بابتسامة متوترة هذا لمصلحتك. الآن المال أكثر أمانا.
أكثر أمانا لمن سألت دونيا تيريزا.
لم يجب أحد.
كانت الأيام التالية ثقيلة. خوليان كان يتجنب الموضوع. لورينا بدأت تدير مصاريف العائلة بالمال الذي لا يخصها. دونيا تيريزا طلبت القليل بل كادت لا تطلب شيئا. كانت تراقب.
ذات مساء عادت إلى البنك. هذه المرة طلبت مقابلة المدير. حملت ملفا قديما مائلا إلى الاصفرار.
أريد أن أعرف قالت بهدوء من يستطيع التصرف في ذلك المال.
راجع المدير الوثائق.
الحساب مشترك أوضح لكن أرى أمرا آخر.
رفعت دونيا تيريزا نظرها.
هناك صندوق ائتماني تابع المدير قديم. باسمك.
أومأت دونيا تيريزا ببطء.
هذا ما كنت أظنه.
كانت قد أنشأت ذلك الصندوق قبل سنوات حين كان زوجها لا يزال على قيد الحياة. صديق محام نصحهما بذلك.
تحسبا ليوم تبقين فيه وحدك قال لها آنذاك حتى لا يتركك أحد بلا شيء.
كان الجزء الأكبر من المال الظاهر الآن في الحساب المشترك. لكن ليس كله. الصندوق الائتماني ظل سليما محميا ببنود واضحة.
ابتسمت دونيا تيريزا للمرة الأولى منذ أسابيع.
شكرا قالت والآن نفذ ما يقتضيه القانون.
بعد يومين تلقى خوليان اتصالا أثناء عمله.
سيد خوليان قال صوت رسمي نبلغك بأن حسابك المشترك قد تم تجميده مؤقتا لمراجعة قانونية.
ماذا يعني مجمد صرخ ذلك المال ليس لي وحدي!
لهذا السبب تحديدا جاء الرد إلى أن يتضح مصدر الأموال وصحة الموافقة.
شحبت لورينا عندما أخبرها خوليان.
كيف مجمد! صاحت وماذا سنفعل الآن
في تلك الليلة دعتهم دونيا تيريزا إلى الجلوس في غرفة الجلوس.
اجلسا طلبت.
كان خوليان يرتجف.
أمي أنا
اسمع قاطعته لم أسلبك شيئا. تركت القانون يقوم بعمله.
حاولت لورينا التحدث لكن دونيا تيريزا رفعت يدها.
لم تطلبي إذني يوما قالت ناظرة إليها ظننت أنني لأنني مسنة لن أفهم.
خفضت لورينا عينيها.
المال الذي لمسته تابعت دونيا تيريزا لم يكن كله. الأهم لم يكن يوما حيث تنظرين.
فهم خوليان عندها. لم يخطئ فقط كابن بل قلل من شأن أمه.
تقدمت المراجعة سريعا. قرر البنك وجود إساءة استعمال للثقة. لم يكن هناك سجن لكن كانت هناك عواقب. بقي الحساب المشترك مجمدا لأشهر. أما مال الصندوق الائتماني فظل في أمان.
عادت دونيا تيريزا إلى روتينها. بكلمات أقل وبمسافة أكبر. حاول خوليان إصلاح الضرر لكنه أدرك أن بعض الأمور لا تصلح باعتذار واحد.
لورينا كفت عن إبداء الرأي في المال. وكفت عن إبداء الرأي في أشياء كثيرة.
في الحي علق أحدهم
يقولون إنهم جمدوا حساب السيدة.
صححت دونيا تيريزا بلطف حين سمعت ذلك
لا. ليس حسابي.
وهكذا
اتضح أمر ينساه كثيرون
الحماية لا تظهر دائما
إلا حين يحاول أحدهم تجاوز الحد الخطأ.
مستقبل تلك العائلة لم يحسم تماما. بقي مفتوحا كما تبقى القصص التي يختبر فيها الحب ولا تعود الثقة كما كانت.
لكن دونيا تيريزا للمرة الأولى منذ سنوات نامت مطمئنة.
لأنها أدركت أن التقدم في العمر لا يعني فقدان السيطرة.
بل يعني تعلم التخلي
عما نختار نحن فقط أن نتخلى عنه.
تجميد الحساب المشترك لم يوقف المال فحسب. أوقف أيضا الكلمات السهلة والأعذار السريعة والقرارات التي تتخذ خلف ظهور الآخرين. في بيت دونيا تيريزا عاد الصمت ليملأ المساحات التي كانت تشغلها أوامر متخفية في ثوب القلق.
حاول خوليان في البداية التصرف كأن شيئا لم يحدث. عرض أن يشتري الحاجيات وأن يدفع الفواتير من راتبه وأن يسأل إن كانت أمه تحتاج شيئا. لكن دونيا تيريزا لم تعد تجيبه بالثقة ذاتها. لا بغضب بل بمسافة جديدة أصلب من أي عتاب.





