
زوجتي كانت الملاك المثالي… حتى سمعت ابنتي تتوسل خلف الباب المغلق
في الأسبوع الأول، قصصتُ شعر لوسيا قليلًا. أردتُ أن أتعلم كيف أضفره. فشلتُ ثلاث مرات، وفي الرابعة صارت الجديلةُ ملتويةً مثل طريق جبلي. ضحكتْ، وقلتُ: «سنحتاج إلى جبالٍ أقلّ وطرقٍ أكثر استقامة»، فضحكتْ أكثر، ومن ضحكتها فهمتُ أن الحزن بدأ يلين. في المساء الذي تلاه، أرسلتْ معلمةُ لوسيا رسالةً تقول: «اليوم رفعتْ يدها لتُجيب. قالت: أبي علّمني أن أسأل». بكيتُ وأنا أقرأ، ليس لأنّ الإجابة كانت صحيحة، بل لأنّ السؤال عاد إلى بيتنا.
لم نترك الجراح بلا أسماء. زرنا الأخصائية النفسية للأطفال. في غرفةٍ ذات جدرانٍ خشبية وألعابٍ قماشية، جلست لوسيا تتحدّث ببطءٍ عن «الزجاج» و«الحليب» و«الصمت الذي يجـ,ـرح». قالت الأخصائية لي بعد أسابيع: «الذي فعلتَه مهم: الثبات. الأطفال يزدهرون حين يرون وعدًا يتحقّق كلَّ يوم». وعدي كان بسيطًا: لن نعود إلى الخوف. هذا بيتنا، ونحن أهله.
لم تغب كاميلا عن الباب إلى الأبد. حاولت العودة عبر رسائل واعتذاراتٍ طويلة، تتلوّن بما يشبه الندم. لم أشتمها، لم أفتح لها. تركتُ الأمر للقانون. قدّمتُ ما يلزم من شهاداتٍ مكتوبة لدى الجهات المختصة، ليس لأجعلها عدوًّا، بل لأقول للعالم إنّ الطفولة أقدس من المجاملة. كنتُ أعرف أنّ الغفران أوسعُ من العقاب، لكنني تعلمتُ أن الغفران لا يعني فتح بابٍ لنفس الريح.
مرّت شهورٌ صعبة، كانت الجراح تستحي من نفسها أمام صبرٍ جديد. ذات صباحٍ مشمس، وقفت لوسيا قرب النافذة تحملُ كأسًا صغيرًا وضعت فيه تربةً وحبّةَ عدس. قالت: «سأسقيها كلَّ يوم. سنسميها… رجوع». كانت تقول «رجوع» وكأنها تُعيد ترتيب الكون. بقيتُ أراقب الكأس أيامًا، حتى ظهر خيطٌ أخضر خجول. صفّقنا
جميعًا لذلك الخطّ، كأنه طفلٌ خرج للتوّ إلى الدنيا. «رجوع» صار رمزًا يُذكّرنا بأنّ الحياة تتفتّحُ حتّى في أصغر الأواني.
أمّا سانتياغو، فصادَقَ الملاعق الخشبية. كان يحوّلها إلى طائراتٍ وسفنٍ وفرسانٍ طيبين. علّمته كيف يُكسّر الشوكولاتة إلى مربعاتٍ صغيرة ليوزّعها على الجيران. كنّا نطرقُ الأبواب، نترك قطعةً وبطاقةً صغيرة كتبنا فيها بخطٍّ مرتجف: «بيوتٌ تُحبّ بيوتًا». بذلك التوزيع البسيط اكتشفتُ أن المدينة ليست صمّاء؛ كانت تستجيب بابتساماتٍ وكعكاتٍ ودفاتر رسمٍ أهداها لنا صاحب المكتبة في آخر الشارع.
لم أنسَ زوجتي الأولى، ولم أحوّلها إلى ذكرى منسية. كلَّ خميسٍ، نقطف وردةً ونضعها في كوب ماء على الطاولة. نحكي عنها كأنها سافرت إلى مدينةٍ بعيدة وتكتب لنا رسائل. كنّا نقرأ رسائل لم تصل، ونبتسم. في إحدى الليالي سألتني لوسيا: «هل كانت أمّي تَخاف؟» قلت: «كانت شجاعةً أكثر مما نتصوّر. الشجاعة ليست عدم الخوف، الشجاعة أن نُمسك يد من نحبّ ونحن خائفون». مدّت يدها الصغيرة وأمسكت يدي.
كبر البيت معنا. الجدران التي شهدت الصمت تعلّمت الغناء. علّقتُ رسومات الأطفال على الممرّ، وكتبتُ تحت كلّ واحدةٍ تاريخها وكلمةً صغيرة: «هذا اليوم ضحكنا»، «هذا اليوم تبلّلنا بالمطر»، «هذا اليوم انكسرتْ كاسةٌ ولم ينكسر قلب». اشترينا طاولةً مستعملة من سوقٍ قريب، رمّمناها معًا، وبينما كنّا نلوّن ألواحها، لطّخ سانتياغو أنفي بالطلاء. تظاهرتُ بالغضب، فهرب خلف الكرسي وهو يضحك، وضحكنا جميعًا حتى تعبنا.
وحين بدا أن العمل من المنزل يستقر، رتبنا وقتًا للقراءة. ساعةٌ كلَّ مساءٍ نقرأ فيها شيئًا، أيَّ شيء: قصص حيواناتٍ صغيرة تبحث عن بيت، حكايات أطفالٍ يرسمون قوس قزح، ومقاطع قصيرة من دفتر كانت زوجتي تكتب فيه ملاحظاتها عن الأيام. كنتُ أقرأ بصوتٍ خافتٍ كي لا أفزع الذكريات. كنّا، أنا وأطفالي، نُعيد تعلّم اللغة: لغة الطمأنينة التي كانت غائبةً عن قاموسنا.
لم تكن المعركة قانونًا وحسب؛ كانت إعادة ترتيبٍ للعالم داخلنا. تعلّمتُ كيف أعتذر. كنتُ أقول للوسيا: «أخطأتُ حين طال صمتي. لم أنتبه، ولم أسأل بما يكفي». كانت تهزُّ رأسها وتقول: «الآن تسأل كثيرًا». وأضحك: «سأظل أسأل حتى أطرد آخر ظلّ».
بعد عامٍ تقريبًا، كانت لوسيا تقف قرب النافذة نفسها، لكنّ الضوء كان ألينَ هذه المرّة. كانت تضع في إناءٍ صغير نباتًا جديدًا، وتُدخل أصابعها في التراب بحذرٍ وحبّ. التفتت إليّ بابتسامةٍ خجولة وقالت: «سنسميها… بداية». وضعتُ كفّي على كتفها، وقلتُ: «كلُّ يومٍ يمكن أن يكون بداية إذا حافظنا عليه». ولمحتُ دمعةً صغيرة في زاوية عينها، دمعةُ امتنانٍ هادئة لا تشبه دموع الخوف القديمة. ضممتُها، بينما كان سانتياغو يركضُ حولنا بسيارته ذات الأجنحة، ويهتف: «انظروا… تطير!»
في تلك اللحظة، عرفتُ أن روحي، التي ضاعت طويلًا في طرقٍ لا تؤدي إلى بيت، بدأت تعود بخطواتٍ واثقة. لم يعد الليل عدوًّا؛ صار فرصةً لقصصٍ جديدة.
تمضي السنوات حين تجد لنفسها سببًا. عشرة أعوامٍ مرّت كأنها موجٌ يلمع ثم ينكسر على شاطئٍ مألوف. الحديقة تغرق في ضوء الغروب الذهبي، والضحك يملأ الأرجاء. شجرة الليمون التي زرعناها في العام الثاني صارت تُظلّل نصف الفناء، و«رجوع» الذي بدأ خيطًا أخضر صار نباتًا يتدلّى على الشرفة، وما زال كوب الورد على الطاولة كلَّ خميسٍ يذكّرنا بأنّ الحبَّ لا يغيب، بل يغيّر
شكله.
جلستُ على المقعد الخشبي الذي رمّمناه معًا ذات مساء، ومرّ شريطٌ طويل أمامي: مطبخٌ بارد صار دافئًا، نافذةٌ حزينة صارت تُنبت أسماءً للنباتات، طفلٌ يكتب أول حرفٍ في اسمه بارتباكٍ ثم يضحك. اقتربت لوسيا بخطواتٍ هادئة وجلست بجانبي، لم تعد تلك الصغيرةُ التي تشبّثت بقميصي، لكنها تحملُ في عينيها ذلك اللمعان ذاته: لمعان من تعلّم النجاة ثم قرّر أن يعيش.
لم تقل شيئًا في البداية. وضعت رأسها على كتفي قليلًا، كأنها تطمئن إلى أن العظم ذاته ما زال مكانه. تشاركنا الصمت، صمتًا لا يوجع. ثم همست: «أتذكّر رائحة الحليب، لكنّي لا أتذكّر الخوف كما كان». قلت: «لأنّ شيئًا آخر صار أقوى». رفعتْ نظرها نحوي، وفي عينيها سؤالٌ لم يعد يبحث عن إجابةٍ بقدر ما يستمتع بطمأنينةِ السؤال. ابتسمت. كانت ابتسامتها تشبه ضحكة أمّها في الصور القديمة.
من بعيد، كان سانتياغو يلوّح بكتابٍ جديدٍ اشتراه من صاحب المكتبة نفسه، نادانا: «هيا، لديّ قصةٌ عن طائرةٍ بلا أجنحة تتعلّم الطيران!» ضحكنا، نهضنا، ومشينا إلى المنزل — نفس المنزل الذي كان غربةً، والآن صار وطنًا مرّة أخرى. عبرنا الممرّ الذي يحمل رسوماتهم القديمة، ومررنا بالطاولة المستعملة التي صارت أجمل من طاولاتٍ كثيرةٍ فاخرة لأنها تعرف أسماء أصابعنا.
قبل أن أدخل، رفعتُ عيني إلى السماء. الغيوم كانت تتشكّل ببطءٍ على هيئة وجهٍ أعرفه. رأيتها تبتسم. لم أحتج أن أسمع شيئًا، يكفي أن ابتسامتها كانت هناك، مثل ضوءٍ يتسلّل من فرجةِ ستارةٍ مُغلقة لوقتٍ طويل. مددتُ يدي في الهواء كمن يلتقط وعدًا، ثم أدخلتُ الوعد معي إلى الداخل.
جلستُ معهما على الأرض، فتح سانتياغو الكتاب، وبدأ يقرأ. كانت لوسيا تُصحّح له بنعومةٍ حين يتعثّر، وأنا أتابع كمعلمٍ جديدٍ يتعلّم من تلميذيه. حين انتهينا، وضعتُ الكوب الأسبوعي على الطاولة، وفيه وردةٌ بيضاء. قلت: «إلى التي تعلّمنا منها أن البيت ليس جدرانًا، بل قلوبٌ متساندة». أومأت لوسيا، ثم همست: «وإلى الذي لم يغادر، وعلّمنا أن البقاء أحيانًا هو أعظم شجاعة». ضحكتُ وأنا أتظاهر بأنني لا أفهم لمن تشير، لكنها كانت تعرف أني فهمت.
في تلك الليلة، حين ناما، مررتُ على الغرف ببطء. رتّبتُ غطاءً هنا، وأطفأتُ مصباحًا هناك. في الممرّ، توقّفتُ عند لوحة البيت ذي الباب الأزرق. مسحتُ عنها غبار الأيام بخفّةٍ كمن يربّت على كتف صديقٍ قديم. كتبتُ أسفلها تاريخ اليوم وكلمةً صغيرة: «هذا اليوم… عدنا مرّة أخرى».
أغلقتُ النوافذ، وفتحتُ قلبي لأصواتٍ أحبّها: تنفّسٌ هادئ، صفحةُ كتابٍ تُقلب، وطقطقةُ خشبٍ عتيقٍ يعلن أنه حاضرٌ معنا. لم أعد أحتاج أن أقنع نفسي أننا بخير؛ صرنا بخير. والغد، مهما حمل من مسؤولياتٍ وواجباتٍ وفواتير، سيبدأ من مكانٍ واحد: من بيتٍ يحفظ أسماءنا كما نحفظ أسماءه.
وقفتُ في العتمة لحظةً، ثم ابتسمت. ليس لأنّ كلَّ شيءٍ صار كاملًا، بل لأنّ الناقصَ فيه مليءٌ بالحبّ. ولأنّ طفليَّ ينامان الآن دون أن يخافا من صوتٍ مرتفعٍ أو زجاجٍ مكسور. ولأنّني حين أسمع في داخلي «أبي، أرجوك»، أعرف أنّ اليد التي ستمتدّ ستكون يدي، وأنّ الكلمة التي ستُقال ستكون كلمةَ بيتٍ تعلّم أخيرًا أن يكون بيتًا.
هكذا انتهت معركتنا الكبرى: لا بانتصارٍ على أحد، بل بانتصارٍ لنا. بانتصار طفلةٍ تعلّمت أن تسقي «رجوعًا» و«بداية»، وطفلٍ جعل للطائرات أجنحةً من خيال، وأبٍ لم يعد سجانًا أعمى، بل حارسًا
للضوء. وفي السماء دائمًا… ابتسامةٌ نعرفها، تبارك الطريق.





