قصص قصيرة

اختـ,ـفى في رحلة مدرسية… وما كُشف بعد 26 عاما لم يتوقعه أحد

قال إن التهديد كان مباشرا وصريحا، إذ أبلغه بأن نسيان ما حدث هو الطريق الوحيد للبقاء حيا، وهي كلمات دفــ . ــنته في صمت ثقيل استمر سنوات طويلة.

أعيد فتح التحقيق رسميا، وتصاعد الاهتمام الإعلامي بشكل هستيري، بينما بدأ فريق البحث تتبع خيوط الماضي، وصولا إلى المعلمة التي اختفت فجأة من المشهد.

تم العثور عليها لاحقا تقيم في مكان منعزل، حيث أنكرت في البداية أي عـ ـلاقة لها بالقضية، وردت ببرود متوتر بأنها لم ترتكب شيئا يستدعي الاتهام.

في لحظة مفاجئة، طرح المفتش سؤالا بسيطا لكنه حاسم عن لون دفتر الفتى، فتجمدت ملامحها وارتجفت شفاهها قبل أن تهمس بالإجابة الصحيحة.

ساد الصمت داخل الغرفة، صمت ثقيل أكد أن الذاكرة لم تخنها، وأن شيئا في داخلها بدأ يتصدع تحت ضغط المواجهة واستدعاء التفاصيل المنسية.

استمر الاستجواب لساعات طويلة، ومع تراكم الأسئلة وتضييق الخناق، انهارت أخيرا واعترفت بأن خطأ فادحا ارتكب في ذلك اليوم المشؤوم.

قالت بصوت متقطع إن المدرسة كانت تعيش فضيحة مالية كبيرة آنذاك، وإن دفتر الفتى لم يحتو ملاحظات دراسية فقط، بل تفاصيل لم يكن يجب أن تُكتب.

أوضحت أن الفتى اعتاد تدوين كل شيء بدقة، حتى ما سمعه عرضا من أحاديث ووثائق وإيصالات، دون أن يدرك خطورة ما وقع بين يديه.

سألها المفتش بحدة إن كان ذلك هو الدافع لاختطافه، فترددت قبل أن تعترف بأن القرار لم يكن فكرتها وحدها، بل نتيجة ضغط وتهديد من شخص آخر.

ذكرت اسم الرجل بنبرة مثقلة بالخوف والندم، مؤكدة أنه أقنعها بأن انكشاف الدفتر يعني نهاية الجميع، وأن إخفاء الفتى كان الحل الوحيد آنذاك.

سأل المفتش بنبرة ثابتة تخفي عاصفة من الترقب من يكون ذلك الرجل الذي ذكر اسمه، فترددت للحظة قبل أن تهمس بأن فيكرام قريب لأحد أعضاء مجلس إدارة المدرسة، رجل شديد النفوذ لا يُعارض.

جاءت الصدمة الأكبر عندما اكتشفت الشرطة أن الفتى لم يمت كما افترض الجميع، بل أُخفي في دير قديم داخل الغابة، حيث تولى راهب يُدعى ماهيندرا رعايته بعيدا عن الأنظار.

أظهرت التحقيقات أن الخطة الأصلية كانت نقل الطفل إلى مدينة بعيدة بعد فترة، ليختفي الدليل وتذوب الخيوط، لكن الراهب تدخّل ورفض تسليمه لمصير مجهول.

قال ماهيندرا لاحقا بصوت مثقل بالذكرى إن الخوف كان واضحا في عيني الطفل، خوف صامت لا يُحتمل، ولذلك قرر حمايته مهما كانت العواقب.

تم تغيير اسم الفتى بالكامل، وعاش سنوات طويلة تحت هوية جديدة، يتعلم وينمو في عزلة شبه كاملة، بينما ترسخت في داخله قصة واحدة عن عالم خارجي خطير.

كبر الفتى وأصبح شابا، تلقى تعليمه على يد الراهب، وتشكّلت شخصيته بين جدران الدير، لكن شيئا واحدا لم يتغير أو يُنسى.

الدفتر الأحمر ذو النقطة المميزة ظل معه طوال تلك السنوات، محفوظا بعناية، كأنه قطعة من حياته السابقة التي حاول الجميع محوها.

في أول لقاء له مع المفتش، جلس بهدوء ظاهري يخفي اضطرابا عميقا، وكانت عيناه تحملان آثار زمن طويل من الأسئلة غير المجابة.

قال بصوت منخفض لكنه ثابت إنه لم يستطع النسيان أبدا، وإن الكتابة كانت ملاذه الوحيد كل ليلة، حيث كان يدوّن ما يتذكره وما يخشاه.

أوضح أنه كان يكتب باستمرار، يعيد سرد التفاصيل الصغيرة التي بقيت في ذاكرته، وكأنه يخشى أن تختفي الحقيقة إن توقف عن تسجيلها.

عندما أُجري اختبار الحمض النووي وتأكد للجميع أنه بالفعل آراف شارما، هرع والداه، وقد أثقلتهما السنوات وصار الشيب عنوان ملامحهما، إلى مركز الشرطة وهما يغالبان الدموع والذهول.

مدّت الأم يدها المرتعشة تلمس وجهه ببطء، كما لو كانت تخشى أن يتبدد المشهد فجأة ويثبت أنه مجرد حلم عابر جاء متأخرا ستة وعشرين عاما.

همست بصوت مكسور يحمل وجع العمر كله، بينما نظر إليها آراف بعينين غمرتهما عاطفة لم يعرف كيف يحتويها، وقال بهدوء دافئ إنه عاد أخيرا إلى المنزل.

انتقلت القضية إلى المحكمة، وتم القبـ . ــض على فيكرام، وانكشف ملف اختلاس الأموال الذي ظل مدفونا طويلا، وانتهى الأمر بحل مجلس أمناء المدرسة بعد أن سقطت الأقنعة.

حُكم على رينا بالسجــ . ــن، لكن المحكمة أخذت في الاعتبار اعترافها المتأخر، معتبرة أن قولها للحقيقة كان سببا في إعادة حياة طفل ظن الجميع أنها ضاعت إلى الأبد.

بلغت المشاعر ذروتها عندما وقف آراف داخل قاعة المحكمة حاملا دفتره الأحمر ذو النقطة المميزة، الدفتر الذي نجا من الزمن كما نجا صاحبه من النسيان.

قال بصوت ثابت رغم ارتجافة الذكريات إن هذا الدفتر ليس مجرد قصة شخصية، بل شاهد صامت ودليل حي على أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تم.وت.

أنهى آراف دراسته لاحقا، واختار أن يعمل في مجال العلوم البيئية، عائدا إلى الطبيعة نفسها التي كانت شاهدة على اختفائه وبداية حكايته الطويلة.

ثم قدّم دفتره الأحمر إلى أحد المتاحف، ليبقى معروضا للأجيال، كتذكار يروي كيف يمكن لتفاصيل صغيرة أن تهز أبنية كاملة من الأكاذيب.

في لحظة إنسانية خالصة، سألته والدته بعينين دامعتين إن كان قد سامحهما على سنوات الفقد والعجز، فابتسم ابتسامة هادئة تحمل نضجا مؤلما.

قال برفق إن الأمر لم يكن بحاجة إلى اعتذار بقدر ما كان بحاجة إلى فهم، فهم لكل ما حدث، لكل ما سُرق، ولكل ما عاد أخيرا إلى مكانه الصحيح.

بعد ستة وعشرين عاما، عاد طفل إلى عائلته، وتعلّم العالم درسا قاسيا وبليغا مفاده أن الحقيقة يمكن إخفاؤها، لكن لا يمكن محوها.

فالخوف قد يفرض الصمت، والصمت قد يطيل عمر الذنب، وأحيانا يكون دفتر صغير كافيا لإسقاط أكاذيب كبيرة ظن أصحابها أنها لن تُكشف.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى