
وجد محفظة مليئة بالمال… فسلّمها! ما حدث بعدها قلب حياته رأسًا على عقب
كان رجلا فقيرا عثر على محفظة في موقف للسيارات.
كان يستطيع أن يحتفظ بكل ما فيها من دون أن يراه أحد.
لكن قرارا صادقا غير مصير أسرته إلى الأبد.
حين وجد خوليان راميريز تلك المحفظة الجلدية البنية ملقاة في موقف سيارات سوق النكهات لا فيكتوريا في حي لا ريسوريكسيون بمدينة بويبلا لم يتخيل قط أن ذلك التصرف الصغير الذي يكاد يكون غير مرئي للعالم سيحرك تروسا قديمة صامتة من تلك التي لا يحسن تشغيلها سوى القدر.
كان خوليان في الخامسة والثلاثين من عمره لكن جسده كان يحمل إرهاق من هو أكبر سنا. لم تكن الحياة قاسية عليه على نحو استثنائي لكنها لم تكن رحيمة أيضا. كان يعمل في تفريغ الشاحنات داخل مستودع بالجملة في السوق المركزية سنترال دي أباستو في بويبلا حيث يلتصق الغبار بالجلد ويتسرب التعب إلى العظام. كان راتبه بالكاد يكفي الضروريات وفي بعض الأسابيع لا يكفي حتى لذلك.
كان يعيش في شقة داخل مجمع سكني ذي جدران رقيقة تختلط فيه مشاجرات الجيران وأصوات أجهزة الراديو وبكاء الأطفال من دون استئذان. لم يكن مكانا سيئا لكنه لم يكن بيتا كما كان يحلم.
ومع ذلك كانت حياته كلها تدور حول شخص واحد
غوادالوبي راميريز. لوبيتا. ابنته ذات الأعوام التسعة.
منذ أن غادرت فيرونيكا والدة الطفلة إلى سيوداد خواريزفي ولاية تشيواوا واعدة بالعودة حين تتحسن الظروف تعلم خوليان أن يكون أبا وأما في آن واحد. في البداية كانت هناك مكالمات هاتفية ثم رسائل أقصر فأقصر ثم لا شيء. صار الصمت دائما.
لم يتحدث عنها بسوء أمام لوبيتا أبدا. كان يفضل أن يتحمل هو عبء الغياب على أن يعلم ابنته الشك في الحب.
في تلك الصباحة كان السماء ملبدة بغيوم رمادية كثيفة تنذر بالمطر. استيقظ خوليان قبل الفجر. أعد الفاصولياء سخن tortillas وسكب قليلا من قهوة كافيه دي أويا في كوب مكسور الحافة.
هل ستحضر مهرجاني اليوم يا أبي سألت لوبيتا وهي لا تزال بملابس النوم تعانق دمية قماشية قديمة.
انقبض قلب خوليان. في الليلة السابقة أخبره المشرف دون هيكتور أن ذلك اليوم سيشهد نوبة عمل مزدوجة. أن يقول نعم يعني الكذب. وأن يقول لا يعني كسر شيء في داخل ابنته.
سأفعل كل ما بوسعي يا أميرتي قال مبتسما ابتسامة متكلفة. أعدك.
هزت لوبيتا رأسها كما لو أن تلك الكلمات وحدها تكفي لإسناد العالم.
سارا معا حتى المدرسة الابتدائية الحكومية في الحي. عدل لها سترتها قبل جبينها وشاهدها تدخل. وعندما التفتت لتلوح له رفع يده بقوة كأن تلك الإشارة تستطيع حمايتها من كل ما يعجز هو عن السيطرة عليه.
كان السوق شبه خال حين وصل. ترجل من سيارته أغلق الباب ثم لمحها.
محفظة أنيقة من الجلد البني ملقاة بجوار خط أصفر في الموقف.
انحنى والتقطها. كانت ثقيلة. ليس بوزن المال فقط بل بما تمثله.
فتحها بحذر. أوراق نقدية مرتبة بطاقات وثائق رسمية وصورة.
امرأة تعانق طفلة صغيرة. كلتاهما تبتسمان بسعادة صافية حقيقية من تلك التي لا تشترى ولا تصطنع.
تجمد خوليان في مكانه.
فكر في الإيجار المتأخر. في حذاء لوبيتا الممزق. في رسوم التسجيل للعام الدراسي المقبل. فكر في سهولة أن يحتفظ بالمحفظة ويمضي. لم يكن أحد قد رآه.
لكنه تذكر أيضا الليالي التي كان يشرح فيها لابنته أن فعل الصواب لا يجلب دائما المكافآت لكنه يمنح الطمأنينة. وها هي اللحظة تمتحنه.
أغلق المحفظة بإحكام ودخل السوق.
في مكتب الاستعلامات نظرت إليه الموظفة الشابة بشيء من الريبة.
هل أنت متأكد أنك تريد تسليمها سألته.
نعم أجاب بهدوء. أريد فقط أن تعود إلى صاحبتها.
رفعت حاجبيها دهشة.
قلما يفعل أحد ذلك هذه الأيام.
أريد لابنتي أن تؤمن بأن الأمانة ما زالت تستحق قال قبل أن يستدير ويغادر.
عمل ذلك اليوم بشعور غريب في صدره. لم يكن فخرا بل إحساسا هادئا كأنه وفى لنفسه بوعد قديم.
في المساء اصطحب لوبيتا. أرته رسمة تجمعهما ممسكين بأيدي بعضهما أمام منزل تحيط به الزهور.
هذا مستقبلنا يا أبي قالت بثقة.
تلك الليلة بينما كانت الصغيرة نائمة جلس خوليان في الشرفة الضيقة. كان الحي يعج بالأصوات دراجات نارية أحاديث متداخلة أجهزة راديو مفتوحة. فكر أنه على الأقل في ذلك اليوم فعل ما ينبغي.
في صباح اليوم التالي دوى طرق حاد على الباب فأفزعه.
سلمه رسول ظرفا رسميا.
المحكمة العليا للعدل في ولاية بويبلا.
انقبضت معدته.
فتح الظرف بيدين مرتجفتين. كان استدعاء قضائيا للحضور في اليوم التالي.
موقعا من
ليسانسيادا ماريانا سالغادو ريوس
قاضية شؤون الأسرة.
تذكر فورا البطاقة التعريفية داخل المحفظة.
المرأة نفسها.
أبي نادته لوبيتا من الغرفة. لماذا وجهك شاحب
طوى الورقة وأخفاها.
لا شيء يا صغيرتي أمور تخص الكبار.
لكن النوم جافاه تلك الليلة.
لماذا انتهى فعل أمانة بسيط بخوليان أمام محكمة
وما العلاقة بين تلك المحفظة والقاضية التي استدعته
كان مبنى المحكمة العليا للعدل في ولاية بويبلا ينتصب أمام خوليان ككتلة هائلة من الخرسانة والصمت. مبنى كبير بارد مهيب من تلك الأبنية التي تجعل المرء يخفض صوته من دون أن يشعر وكأن الجدران نفسها تفرض هيبتها على الداخلين. حين عبر الباب ارتد صدى خطواته في البهو الواسع فأعاد إليه إحساسه بضآلته في ذلك المكان إحساسا قديما عرفه في مواقف كثيرة من حياته لكنه هنا بدا أوضح وأثقل.
توقف لحظة قبل أن يتقدم أكثر. رفع عينيه إلى





