
وجد محفظة مليئة بالمال… فسلّمها! ما حدث بعدها قلب حياته رأسًا على عقب
السقف العالي إلى الأضواء البيضاء المنتظمة إلى الوجوه الجادة التي تمر مسرعة وهي تحمل ملفات سميكة. شعر بأن كل شيء من حوله منظم محسوب مضبوط بإيقاع دقيق على عكس حياته التي كانت تسير غالبا على حافة الاحتمال.
عدل خوليان لا شعوريا ياقة قميصه البالي محاولا تسويته بيديه الخشنتين الموشومتين بسنوات العمل الشاق. كانت أطراف أصابعه متشققة قليلا من كثرة الاحتكاك بالحبال والصناديق وأكياس الحبوب. نظر إلى كفيه للحظة ثم إلى الأرضية الرخامية المصقولة التي تعكس الضوء كمرآة صامتة. أحس بالفارق الشاسع بين عالمين عالم يتكون من العرق والغبار والكدح اليومي وعالم آخر من القوانين والقرارات والبدلات الرسمية.
اقترب منه أحد الحراس بوجه محايد وطلب منه أن يتبعه. لم يكن في صوته تهديد لكنه كان رسميا بما يكفي ليزيد توتره. سار خلفه في ممرات طويلة ذات جدران فاتحة وأبواب مغلقة تتدلى فوق كل باب لافتة نحاسية تحمل اسما أو صفة. ومع كل خطوة كان العقد في معدته يشتد. تساءل في داخله ماذا لو كان هناك خطأ ماذا لو اتهم بشيء لم يفعله ماذا لو كان إرجاع المحفظة قد جلب له متاعب لم يتوقعها
توقف الحارس أخيرا أمام باب خشبي عريض. طرق طرقا خفيفا ثم فتح الباب وأشار إليهبالدخول.
دخل خوليان بخطوات مترددة.
كانت الغرفة واسعة يغمرها ضوء طبيعي يتسلل من نوافذ عالية تطل على جزء من المدينة. لم يكن الضوء حادا بل ناعما يخفف من وطأة الرسمية دون أن يزيلها. مكتب أنيق ملفات مرتبة بعناية حاسوب مغلق وعلم المكسيك منصوب في إحدى الزوايا. كل شيء بدا في مكانه الصحيح كما لو أن الفوضى لا يسمح لها بالعبور إلى هذا الحيز.
ثم رآها.
كانت تقف خلف المكتب مستقيمة القامة بملامح متزنة ونظرة ثابتة. أنيقة رزينة تحمل وقار من اعتاد اتخاذ قرارات تؤثر في مصائر الآخرين. لم يكن في حضورها استعراض بل هدوء مهيب. إنها المرأة ذاتها التي رأى صورتها داخل المحفظة غير أن ملامحها الآن بدت أكثر صلابة وأكثر وعيا بالمسؤولية.
السيد خوليان راميريز قالت وهي تنهض قليلا من مكانها. شكرا لحضورك.
كان صوتها واضحا هادئا لا يحمل قسوة ولا لينا زائدا.
نعم يا سيدتي أجاب مطأطئا رأسه قليلا. في خدمتك.
تأملته لثوان صامتة كما لو أنها تحاول أن تقرأ ما وراء مظهره البسيط ما وراء ارتباكه الظاهر. لم تكن نظرتها متعالية بل فاحصة دقيقة.
المحفظة التي أعدتها تابعت كانت لي.
شعر خوليان بأن الهواء عاد ببطء إلى رئتيه. كان جزء منه قد ظل مشدودا منذ تسلمه الاستدعاء. أومأ برأسه.
فعلت ما كان ينبغي قال بهدوء. أي شخص كان سيفعل الشيء نفسه.
هزت رأسها نفيا وفي عينيها شيء أقرب إلى الأسف.
لا قالت. ليس أي شخص.
صمتت لحظة ثم أضافت بصوت أخفض قليلا
في تلك المحفظة لم يكن المال وحده. كانت هناك وثائق مهمة ونسخ أصلية لا يمكن تعويضها بسهولة وكانت هناك صورة. صورة لابنتي وأنا في يوم خاص جدا. حين أدركت أنها فقدت ظننت أنني فقدت شيئا لا يقدر بثمن.
ارتجف شيء في داخل خوليان عند ذكر كلمة ابنتي. فكر في لوبيتا. في رسمتها الصغيرة. في عينيها حين تسأله إن كان سيحضر مهرجانها. أحس فجأة أن المسافة بينه وبين هذه المرأة لم تعد شاسعة كما بدت في البداية.
ضم يديه أمامه وقال
كنت أفكر في ابنتي حين وجدتها. فكرت في ما سأقوله لها لو علمت أنني احتفظت بشيء ليس لي.
ساد صمت قصير لكنه لم يكن صمتا ثقيلا. كان أشبه بجسر غير مرئي بدأ يتكون بينهما.
جلست القاضية ماريانا سالغادو ريوس وأشارت إليه بالجلوس. تردد لحظة قبل أن يجلس على الكرسي المقابل لمكتبها وكأنه يخشى أن يخل بتوازن المكان.
تحدثا.
تحدثا عن لوبيتا وعن المدرسة وعن خوف الأب حين يمرض طفله ولا يملك إلا الدعاء والانتظار. تحدثا عن الساعات الطويلة في المستودع عن الشاحنات التي تصل قبل الفجر وعن الأكتاف التي تؤلم في نهاية اليوم. تحدثا عن الغياب عن أم رحلت ولم تعد وعن صمت يحاول أب أن يملأه بالحنان.
تحدثت هي أيضا ولكن بحذر. قالت إن المسؤولية لا تعني أن الإنسان لا يخاف وإن القرارات التي تصدرها من خلف مكتبها أحيانا تثقل صدرها طويلا. قالت إن القانون بلا ضمير يصبح قاسيا وإنها تحاول دائما أن تتذكر الإنسان قبل النص.
لم يدرك خوليان متى بدأ يشعر أن الكرسي لم يعد غريبا وأن الجدران لم تعد تضيق عليه. لم يعد يرى في نفسه مجرد عامل بسيط أمام قاضية بل أبا أمام أم إنسانا أمام إنسان.
انتهى اللقاء الأول بلا مفاجآت. شكرته مرة أخرى وأبلغته أن بإمكانه الانصراف. خرج من المبنى بخطوات أهدأ من تلك التي دخل بها لكنه ظل يتساءل عن سبب استدعائه رسميا لمجرد الشكر.
مرت أيام قليلة.
ثم وصل استدعاء آخر.
حين رأى شعار المحكمة هذه المرة لم يشعر بالذعر نفسه. كان هناك فضول وربما شيء خافت من الطمأنينة.
دخل المكتب مرة أخرى واستقبلته ماريانا بالنظرة المتزنة نفسها لكن في عينيها هذه المرة بريق مختلف.
لم أستدعك لأشكرك مرة أخرى قالت مباشرة. استدعيتك لأنني أريد أن أعرض عليك فرصة.
نظر إليها غير فاهم وقد انعقد حاجباه قليلا.
نعمل حاليا على برنامج مجتمعي تابع للمحكمة يهدف





