
حماتي وكرتونة رمضان بقلم نرمين عادل همام
بدأت الإجراءات فوراً.. بلاغ بمحاولة التدليس، ودعوى بطلان لأي ورق حاول يزوره، وقضية طلاق للضرر. الليالي مكنتش سهلة، والدموع مكنتش بتخلص، بس كنت لأول مرة حاسة إني “بسترد كرامتي” اللي حاولت حماتي وأهل جوزي يدفنوها جوه كرتونة رمضان.
في أول ليلة قضيتها لوحدي بعد ما سبت البيت، قعدت أراجع شريط حياتي كله.. اكتشفت إني كنت عايشة في وهم كبير، فاكرة إن الجواز هو الأمان.. بس الحقيقة إن الأمان الحقيقي هو إنك تكوني واعية ومحدش يستغل طيبتك ولا مالك.
ومع أيام رمضان اللي كانت بتعدي، بدأت أسترد قوتي حتة حتة.. المحكمة وقفت كل محاولاته للتصرف في مليم واحد من ممتلكاتي، ورجعت لي السيطرة الكاملة على مالي اللي كان بيوزعه يمين وشمال على أهله كأنه “عنتر زمانه”.
في ليلة 27 رمضان، قعدت في شقتي الهادية.. مكنش فيه كراتين رمضان ملغومة بقلة الأصل، ولا أسرار سودة، ولا صور لعرايس بيختاروهم لجوزي بفلوسي. كان فيه بس هدوء.. وراحة بال إني قدرت أحمي نفسيوأولادي من “نصّاب” لابس قناع زوج محب.
رفعت عيني للسما وقلت بصدق: “يا رب.. الكرتونة اللي حماتي بعتتها عشان تذلني بيها وتعرفني إني غريبة، كانت هي نفسها السبب اللي خلاني أفوق وأحمي شقايا وعمري.”
عرفت وقتها إن فيه ضربات بتبقى “فوقة”.. وإن “شنطة رمضان” دي كانت أحلى هدية جاتلي، لأنها عرفتني إن مفيش حد بيصون غير اللي بيتقي ربنا بجد، مش اللي بيمثل الكرم بفلوس غيره.
الاستغلال مش بس بيسرق فلوسك، ده بيسرق صورتك عن نفسك.. بيخليكي تحسي إنك كنتِ “غريبة” في بيت كنتِ فاكراه بيتك، وصحيتي فجأة لقيتي إن سنين من عمرك وتعبك وخدمتك لحماتك وأهله كانت مجرد حلم طويل وانتهى بصدمة الغدر.
بس وسط الوجع ده، فيه حاجة جديدة بدأت تتولد جوايا.. مكنتش قوة مفاجئة، لا.. كانت عاملة زي نقطة نور صغيرة قوي في آخر نفق طويل وضلمة. بدأت أفكر لأول مرة: طب إيه اللي يحصل لو مكنتش “شنطة رمضان” دي خسارة؟ إيه اللي يحصل لو كانت فرصة نادرة عشان أبني حياتي من أول وجديد بماليوشقايا، ومن غير ما أجامل حد كان بيخطط يسرقني أو يجوز جوزي عليا بفلوسي؟
وفي يوم الصبح، قررت أنزل لوحدي من غير ما أكون رايحة مكان معين. مشيت في الشوارع ساعات، بقرأ وشوش الناس.. بياع الفول، العيال اللي بتجري، الستات اللي بتضحك من قلبها. حسيت فجأة إن الحياة موقفيتش عند حكايتي، وإن العالم متكسرش زي ما حماتي كانت فاكرة إنها هتكسرني.
قعدت في قهوة صغيرة، وطلبت فنجان قهوة. كانت أول مرة من سنين أقعد لوحدي من غير ما أكون مستنية إذن من حد أو شايلة هم تنضيف شقة حد. فضلت أتأمل الشعور الغريب ده.. شعور “الحرية الهادي”. مفيش حد بيسألني اتأخرتي ليه، ولا ليه مروحتش خدمتي أخت جوزك. كنت أنا وبس.. ومعايا هدوء مكنتش أعرف طعمه قبل كده.
في اللحظة دي بالذات، فهمت إن الحرية مش دوشة، الحرية دي حالة هادية قوي، شبه النَفَس العميق اللي بتاخديه بعد سنين من الكتمة والاختناق تحت سيطرة ناس مبيقدروش.
ومع الأيام، بدأت أرتب تفاصيل حياتي الجديدة.. اشتريت عفشبسيط لشقتي بفلوسي اللي حفظها لي القانون، وعلقت ستاير لونها فاتح عشان تدخل نور الشمس. كانت كل حتة بحطها في مكانها، بتحسسني إني بسترد كرامتي اللي كانوا عاوزين يبعوها في “توكيل مزور”.
الماضي مابقاش يطاردني، وحتى عصام وحماتي مابقوش في حساباتي. كنت باخد نَفَس عميق.. وأسيب أي ذكرى وحشة تعدي في حالها. وفي يوم، وأنا واقفة قدام شباكي وقت الغروب، اكتشفت إني مابقيتش حاسة بغل ولا غضب.. مابقيتش عاوزة أنتقم، القضاء جاب لي حقي، والبعد عنهم كان هو المكسب الحقيقي.
قلت لنفسي بصوت واطي: “يمكن الكرتونة دي مكنتش مجرد محاولة لكسرتي.. يمكن كانت بداية الحقيقة.” والحقيقة، مهما كانت بتوجع، كانت هي الطريق الوحيد اللي وصلني للحظة دي.. اللحظة اللي أقدر أعيش فيها أخيراً بمالي وعمري من غير خوف من غدر “أهل الجوز”.
وعلى كدة، خلص فصل الوجع.. وبدأ فصل تاني لسه معرفش نهايته إيه، بس الأكيد إنه فصل مابتحكموش المؤامرات ولا “شغل الحموات”، فصل مابيحكموش غير إرادةواحدة بس.. إرادتي أنا.
تمت الحكاية بسلام ورضا
نرمين عادل همام





