قصص قصيرة

ورث ابويا

ومراته بتقلب في الفيسبوك.
وأختي وجوزها مشيوا قبل حتى ما أنزل أول دور.
​أمي كانت واقفة في البلكونة بتبص عليا وأنا بربط الدولاب في العربية.
رفعت عيني وبصيت لها بصه واحدة.
راحت لافه وشها ودخلت جوه الشـ,قة.
وقتها بصيت للدولاب بحسره كان اخر حاجه باقيه من ريحة

ابويا واللي جواه كان اخر شئ ممكن اتوقعه……
وصلت الدولاب شقتـ,ي الإيجار، السواق ساعدني نطلعه بالعافية وهو عمال يبرطم: “يا أستاذ وائل ده خشب تقيل أوي، ده لو اتفك خشب واتركن أهو ينفع في أي حاجة.” سيبته يتكلم ودفعت له حسابه، وقفلت عليا الباب.
​قعدت قدام الدولاب وأنا كلي كسرة.. مش عشان الفلوس، ولا عشان الشــ,قة، أنا اتكـــ,سرت عشان “العدل” اللي ضاع، وعشان أمي اللي باعتني للي بيقسوا عليها واشترت اللي نسيوا أبويا في مرضه.
​فتحت ضلفة الدولاب، ريحة أبويا طلعت منها، ريحة الجوخ والبردقان القديم، ومكنة الحلاقة اليدوية.

بدأت أفضي الكراكيب اللي جواه.. جرايد قديمة من سنة تسعين، علب دوا فاضية، وصور لينا وإحنا صغيرين.. صور كان مخبيها عن عيون الكل.
​وصلت للأدراج اللي تحت، كانت مقفولة بـ “ترباس” مصدي. جبت مفك وبدأت أفتحه براحة.. أول ما الدرج اتفتح، وقع منه “مفتاح” كبير، مربوط فيه خيط صوف أحمر.
​قلبي بدأ يدق.. المفتاح ده مش غريب عليا. ده مفتاح “المخزن” القديم بتاع أبويا اللي في وسط البلد، المخزن اللي الكل كان نسي أمره وقالوا إنه اتباع من زمان عشان يسدد ديون قديمة لأبويا.
​لقيت ورقة مطبقة أربع تربع تحت مفرش الدرج، الورقة كانت بخط إيد أبويا، بس الخط كان مهزوز، باين إنه كتبها في أيامه الأخيرة وهو بيعافر.

​”إلى ابني وائل.. السند اللي مشالنيش في وجعي غيره.
يا ابني، أنا عارف إنك الوحيد اللي هترضى بالخشب القديم ده عشان ريحتي فيه.
الشقة والعربية والفلوس فداك وفدا ضفرك.. دولابك ده يا وائل هو ‘الأمانة’.
انزل المخزن، وفوق السطوح بتاعه في ركن “الورشة” القديمة، هتلاقي ‘شنطة جلد سوداء’.. دي شقا عمري الحقيقي اللي خبيته من الكل عشان عارف إنهم مش هيصونوه، وعارف إنك أنت اللي هتصون أمك بعد ما يرموها.”
​مستنيتش للصبح.. نزلت زي المجنون، ركبت ميكروباص ورحت لمنطقة الورش القديمة. فتحت باب المخزن اللي كان عليه تراب سنين.. طلعت السطوح، وفي الركن اللي وصفه، لقيت الشنطة.

​فتحتها، وعيني مكنتش مصدقة.. عقود ملكية لأرض في “الشيخ زايد” أبويا كان شاريها من التمانينات، ومعاها سبايك ذهب “إسلامي” وزنها يعدي الـ 2 كيلو، ووصية رسمية موثقة في الشهر العقاري بتاريخ قديم، بتثبت إن المخزن ده ملكي “بيع وشراء”.
​الأرض دي لوحدها دلوقت تساوي ملايين الملايين.. والذهب ده تأمين لعمري كله.
​بعد شهرين بس.. كان محمد أخويا بيخبط على بابي وهو وشه في الأرض. مراته طردته من الشقة اللي أمي ادهاله وكتبها باسمها عشان “تضمنه”، وبعت العربية عشان يسدد ديون قمار وخسر كل حاجة.
وأختي جوزها خد منها الدهب والفلوس وطلقها ورماها بعيالها.
​دخلوا لقوني قاعد في شــ,قة “تمليك” في أرقى مكان، وعربية آخر موديل تحت البيت.
أمي كانت معاهم، ساندة عليهم ودموعها نازلة، قالت بكسرة: “يا وائل، أخوك وأختك مالهمش غيرك.. سامحني يا ابني، أنا كنت فاكرة إنك القوي اللي فيهم وهتستحمل، وهم الغلابة.”

​بصيت للدولاب القديم اللي نقلته معايا في نص الصالة الجديدة، وقلت بهدوء:
“يا أمي، أنا مش زعلان.. بس اللي شال الليلة وهو معوش، مش هيشيلها وهو معاه. أنا هأجرلكم شـــ,قة تعيشوا فيها بكرامتكم، وهصرف عليكم بالعدل.. بس “البيت” اللي كان بيجمعنا، اتهد يوم ما وزعتوا الورث بالظلم. أنا ورثت ريحة أبويا، والبركة اللي في الخشب القديم هي اللي خلتني ملك.. أما هم، فخدوا الفلوس، بس خسروا “العوض”.”
​يومها عرفت إن “عوض ربنا” مش بس فلوس.. العوض هو إنك تنام ومحدش له عندك حق، وتصحى وتلاقي ريحة أبوك حواليك بتبارك لك في كل خطوة.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى