
جوزي اشترى عماره
نادية بتخاف من القضايا والمحاكم.. أنا عايزها هي اللي تيجي لحد عندي. عايزها تحس إن الأرض بتضيق عليها لحد ما تلاقي إن مفيش مفر غير بابي.
الساعة جت ٤ العصر.. ميعاد رجوع الباص.
نادية كانت واقفة مستنية، قلبها بياكلها. الباص وصل، العيال نزلوا بيجروا، بس المرة دي كان فيه مفاجأة مستنياهم قدام مدخل العمارة.
عربية أيس كريم ضخمة ومتزينة بألوان مبهجة واقفة سادة الطريق، والعمال بيوزعوا على كل أطفال الشارع ببلاش.
مريم صرخت بفرحة ماما! شوفي! أيس كريم فانيليا!
نادية لسه هتشدهم، لقت ياسين واقف جنب العربية، قالع الجاكيت وماسك كونو وبيديه لليلى وهو بيضحك.. ضحكة نادية ما شافتهاش من سنين.
ليلى أخدت منه الأيس كريم وقالت بكسوف شكراً يا عمو.
ياسين مسح على شعرها بحنية غريبة العفو يا ليلى.. اسمك جميل أوي.
نادية قربت بسرعة وهي بتغلي إنت بتعمل إيه هنا؟
ياسين رفع عينه وبصلها ببرود مستفز بوزع أيس كريم للجيران.. مش إحنا بقينا جيران؟ وبعدين ليلى ومريم وآدم.. شكلهم بيحبوا الأيس كريم أوي.. زيي بالظبط.
نادية سحبت العيال من إيدهم ودخلت مدخل العمارة وهي بتسمع صوته وراها بينادي بنبرة كلها تحدي
على فكرة يا نادية.. العمارة اللي إنتِ ساكنة فيها.. المالك القديم باعها الصبح.. مبروك، أنا بقيت صاحب البيت!
نادية وقفت على أول درجة في السلم.. الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة. لفت وبصتله بصدمة، وهو كمل وهو بياكل حتة من الأيس كريم بتاعه
يعني لو فكرتي تهربي تاني.. المرة دي لازم تستأذني من المالك الأول.
نادية حست إن السلالم بتتهز تحت رجليها. الكلمة كانت كفيلة إنها تكتم نفسها.. صاحب البيت. يعني مفيش هروب، مفيش باب هيتقفل عليها هي وعيالها ويحسسها بالأمان طول ما هو اللي معاه المفتاح.
طلعت الشقة وقفلت الباب وراها بكل قوتها، سندت ضهرها عليه وهي بتنهج. العيال دخلوا يجروا على جوه، فرحانين بالأيس كريم وبالراجل الطيب اللي أدالهم هدايا.
ماما، هو عمو ده ساكن فين؟ مريم سألت وهي بتمسح بوقها من الفانيليا.
نادية ردت بصوت مخنوق ملناش دعوة يا مريم.. ادخلوا غيروا هدومكم عشان الغدا.
بالليل، الشارع هدي، بس النور اللي في مكتب ياسين في العمارة اللي قصادها فضل منور.
نادية كانت واقفة في المطبخ بتعمل لنفسها قهوة للمرة العاشرة، وبتبص من الشباك بحذر. شافته.. كان واقف في البلكونة، لابس قميص أبيض وفاتح أول زرارين، وفي إيده سيجارة، وعينه مش بتتحرك عن شباكها.
فجأة، موبايلها نور.. رسالة من رقم غريب
القهوة بتسهر يا نادية.. وإنتِ محتاجة ترتاحي عشان بكره عندنا كلام كتير.
نادية رمت الموبايل من إيدها كأنه جمرة نار. هو جاب رقمها منين؟ حست إنها متراقبة، إن حتى الهوا اللي بتتنفسه بقى ملك لياسين الشافعي.
تاني يوم الصبح، نادية قررت إنها مش هتستسلم. لبست ونزلت عشان تودي العيال المدرسة، بس أول ما فتحت باب العمارة، لقت حازم السكرتير واقف ومعاه عربية مرسيدس سودا تانية.
صباح الخير يا مدام نادية. ياسين بيه أمر إن العربية دي تكون تحت أمر الولاد عشان يروحوا المدرسة.. الباص متعب والجو حر.
نادية ردت بحدة قول لياسين بيه إن ولادي بيركبوا الباص زي بقية الناس، وإحنا مش محتاجين خدمات من حد.
لسه بتشد العيال عشان تمشي، لقت صوت ياسين جاي من وراها
بس أنا مش أي حد يا نادية.. أنا جيرانك، وصاحب الملك.. وممكن نعتبر ده عربون محبة للجيران الجداد.
قرب منها لحد ما بقى مفيش بينهم غير سنتيمترات، وطى لمستوى ودنها وهمس بحيث العيال ميسرعوش
يا إما يركبوا العربية بهدوء.. يا إما هطلع دلوقتي وأخد عينة DNA
من أي شعرة واقعة على مخداتهم.. وأعرف العالم كله إن ولاد ياسين الشافعي عايشين في عمارة قديمة وبيركبوا باص متهالك. اختاري يا نادية.
نادية بصت له بذهول.. الوجع في عينها اتحول لشرارة غضب إنت بتهددني يا ياسين؟
ياسين بابتسامة باردة أنا بمارس حقوقي.. ك جار خايف على مصلحة جيرانه. يلا يا آدم.. اركب إنت وإخواتك.
آدم بص لمامته بتردد، نادية هزت راسها بضعف وهي حاسة إنها بتخسر أول جولة. العيال ركبوا العربية بانبهار، والعربية مشيت.
ياسين فضل واقف، وبص لنادية اللي كانت واقفة بتغلي
دلوقتي.. نطلع نشرب القهوة في شقتك؟ ولا ندردش في مكتبي؟ فيه مواضيع كتير محتاجة تتقفل.. ومواضيع تانية محتاجة تفتح.. يا أم آدم
نادية حست إن لسانها اتقيد. يا أم آدم.. الكلمة كان لها رنة في بوقه خلت جسمها كله يقشعر. السنين اللي فاتت كانت بتحاول تمحي أثره، بس هو في جملة واحدة رجع ملكيته لكل حاجة.
مش هنطلع في حتة يا ياسين، نادية قالتها وهي بتحاول ترفع راسها وتداري الرعشة اللي في صوتها. العيال هيرجعوا من المدرسة، هلاقيك سحبت العربية دي، وتبعد عننا.. إنت عايز إيه؟ فلوس؟ انتقام؟
ياسين ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة وجع أكتر منها سخرية، وقرب خطوة كمان فلوس؟ إنتِ بجد فاكرة إن الملياردير ياسين الشافعي ناقصه فلوس؟ أنا ناقصني سنين يا نادية.. ناقصني سبع سنين اتسرقوا مني. ناقصني إجابة على سؤال واحد هربتي ليه وإنتِ شايلة في بطنك ولادي؟
نادية صرخت فيه والدموع بدأت تتجمع في عينها هربت عشان أحميهم! هربت عشان ما يعيشوش في عالمك اللي كله صراعات وكذب! هربت عشان ياسين الشافعي بتاع زمان كان هيدمرني ويدمرهم معاه!
ياسين ملامحه اتصلبت، وعيونه اسودت أكتر ودلوقتي؟ تفتكري هسيبهم؟ أنا اشتريت العمارة، واشتريت الشارع، ولو لزم الأمر هشتري المنطقة كلها عشان أبقى شايفهم قصاد عيني كل ثانية.
سكت لحظة وكمل بنبرة أوطى وأخطر قدامك ساعة واحدة.. تلمي فيها أهم حاجاتك إنتِ والعيال. شنطة واحدة لكل واحد.
نادية برقت بذهول إنت بتقول إيه؟
ياسين وهو بيعدل ساعة إيده ببرود العمارة دي هتتهد يا نادية.. هحولها جراج لقصري اللي بيتبني جنبك. وإنتِ وولادي هتنقلوا تعيشوا معايا.. في الجناح اللي جهزتهولكم. لو رفضتي، المحضرين هيكونوا هنا خلال ساعتين ومعاهم أمر تنفيذ بحضانة الولاد.. والسبب؟ إن الأم بتعرض حياتهم للخطر في مبنى آيل للسقوط.
نادية لفت حوالين نفسها كأنها بتدور على مخرج إنت مجنون! ده تزوير! العمارة سليمة!
ياسين بصلها ببرود في عالمي أنا.. الحقيقة هي اللي أنا بكتبها في الورق. الساعة بدأت تعد يا نادية. الساعة ٥ العصر، العربية هتكون قدام الباب.. يا تطلعي فيها بكرامتك ومعاكي ولادك، يا يدخلوا هما القصر وأنا أمنعك من دخول الشارع كله.
سابها ومشي، دخل عمارته الفخمة وسابها واقفة في نص الشارع، والناس بدأت تتفرج عليها. نادية طلعت شقتها وجريت على المطبخ، شربت مية وهي مش قادرة تستوعب. بصت على صور العيال على الثلاجة.. آدم، ليلى، مريم.
كانت قدام اختيارين أصعب من بعض يا تدخل سجن ياسين الشافعي بمزاجها وتواجه ماضيها، يا تخسرهمللأبد بقوة القانون والنفوذ.
فتحت الدولاب وبدأت تلم الهدوم وهي بتعيط.. وفجأة، لقت آدم نسي ساعته اللعبة على السرير. مسكتها وضمتها لصدورها، وفي اللحظة دي اتخذت قرارها. مش هتهرب المرة دي.. المرة دي هتدخل بيته، بس عشان تحاربه بأسلحته هي.
الساعة ٥ بالظبط..
نادية كانت واقفة قدام باب العمارة، ومعاها تلات شنط والعيال مستغربين. العربية السودا وقفت، وياسين نزل منها، ملامحه مفيهاش أي انتصار، بالعكس، كان باين عليه التعب.
آدم سأل





