قصص قصيرة

بعد طلاقي حكايات زهرة

​بصيت لعمر ببرود غريب، برود أنا نفسي اتفاجأت بيه.. الست سنين اللي فاتوا مكنوش مجرد وقت بيعدي، دول كانوا مدرسة علمتني إزاي أجمد ومخافش. يوسف كان واقف جمبي، ماسك في طرف فستاني وبيبص لعمر بفضول بريء، وعمر واقف متنح، عينه بتتنقل بين وشي ووش يوسف.. ملامح يوسف كانت بتنطق، شبه عمر في كل حاجة، من أول سحبة العين لحد وقفته وطريقة كلامه.
​قرب عمر خطوة كمان، وشه بقا أصفر زي الليمونة، ولسانه اتقل وهو بيقول: “فريدة.. ردي عليا.. الولد ده ابن مين؟ وعنده كام سنة؟ مش ده اللي قولتِ لي إنك…”
​قاطعته وأنا برفع راسي وببتسم ابتسامة سخرية، نفس الابتسامة اللي هو ضحكها ليا من ست سنين في التليفون:
“ده يوسف يا عمر.. ابني.. وعنده ست سنين.. زي ما أنت شايف كده، داخل أولى ابتدائي.”
​عمر حسيت إنه هيقعمن طوله فعلاً، رجله مكنتش شايلاه، ساند بإيده على سور المدرسة وضغط على دماغه كأنه مش مستوعب، وقال بصوت مكتوم ومليان صدمة: “ست سنين؟ يعني.. يعني ده ابني؟ إزاي.. والدكتورة.. والتحاليل؟”
​ضحكت بصوت واطي وقولتله: “التحاليل اللي أنت فرحت بيها دي كانت غلط يا عمر، أو يمكن ربنا أراد يوريك إن مش كل حاجة بتمشي بحسابات البشر. بس أنت اخترت تصدق الورق وتكذبني.. اخترت تتهمني وتقفل السكة في وشي وتعملي بلوك عشان تلحق فرحك اللي كان بعد أسبوع!”
​عمر كان بيبص ليوسف ودموعه نزلت لأول مرة، حاول يمد إيده يلمس وش يوسف، بس أنا سحبت يوسف ورا ضهري بسرعة. يوسف بصل ومستغرب وقالي: “مين عمو ده يا ماما؟ وليه بيعيط؟”
​نزلت لمستوى يوسف وقولتله: “ده واحد يا حبيبي كنا نعرفه زمان.. يلا اركب الباص مع المستر عشان متتأخرش.” يوسف جرى برأته المعهودة وركب الباص وهو بيشاورلي، وعمر عينه متعلقة بيه ومش قادر ينطق.
​أول ما الباص تحرك، عمر لف ليا وزعق بصوت مبحوح ومليان ندم: “حرمتيني من ابني ست سنين يا فريدة؟ ده ابني أنا.. من صلبي أنا.. أنا لازم أصلح كل حاجة، لازم يرجع لحضني وبيتكتب باسمي!”
​بصيت له بكل قوة وقولتله:
​”ابنك؟ أنت ملكش عيال عندي يا عمر. الولد ده يوم ما اتولد، أنا اللي مضيت إقرار عمليته، وأنا اللي سهرت جنبه في المستشفيات الحكومية، وأنا اللي طفحت المر عشان أربيه من غير ما أمد إيدي لحد. أنت يوم ما رمتني وقولتلي (نزلي البتاع ده ونضفي وراكي)، أنت موتّ الأبوة جواك بإيدك.”

​عمر قعد على الرصيف وهو بيعيط بحرقة، الندم كان بياكل فيه صاحي، وقال: “كنت غبي.. صدقت الدكاترة وخفت من كلامالناس.. فريدة، مراتي اللي اتجوزتها مخلفتش منها، وبقالي ست سنين بلف على الدكاترة ونفسي في حتة عيل.. يوسف هو أملي الوحيد.. أرجوكي سامحيني.”
​بصيت له لآخر مرة وأنا حاسة بنصر ملوش مثيل، بس في نفس الوقت حاسة بنظافة من ناحيته، مبقاش يفرق معايا.. قولتله بكلمات حاسمة:
“سبحان الله.. ربنا حرمك من الخلف منها، وحرمك من ابنك اللي من صلبك بذنبي وبذنب الكلمة اللي قذفتني بيها. يوسف هيعيش وهيكبر، وعمرك ما هتعرف تلمسه ولا هتقدر تقول له أنا أبوك، لأنك بنظره مجرد غريب.. زي ما أنت شطبتني من حياتك بلوك، أنا شطبتك من دنيتنا للأبد.”
​سيبته واقف مكانه مكسور، ولفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي طول الست سنين فاتوا انزاح، وربنا جابلي حقي لحد عندي ومن غير ما أعمل أي حاجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى