
حماتي
ادة فاطمة، أنا جعت شوية، ممكن تدخلي تعملي لنا لقمة ناكلها؟
آه صحيح، سارة زمانها جاية في السكة. ولما يجيلي الوجع وأروح المستشفى هي اللي هتبقى معايا. اعملي حسابها في الأكل واطبخي بزيادة شوية، أكيد هتوصل جعانة.
دادة فاطمة هزت راسها وقالت حاضر ودخلت المطبخ عل طول تلوّح وتجهز الأكل.
أنا بقى قعدت مأنتخة وممدة على الكنب بقلب في الموبايل، وببص على الصور والفيديوهات اللي باعتها لي المحامي والمكتب الخاص اللي كنت مأجراه عشان يراقبهم ويجمع لي عنهم كل صغيرة وكبيرة…
انا وطارق اتجوزنا من فترة عشان بنحب بعض بس فرحنا كان بسيط؛
من ناحية طارق، مكنش فيه غيره هو وأمه وكام واحد من قرايبهم اللي جم من البلد.
أما من ناحيتي أنا…
فمكنش فيه غير سارة صاحبتي.
أنا كنت مفهمة طارق إني بنت مقطوعة من شجرة، ماليش أهل ولا قرايب، وإن الست الوحيدة القريبة مني في الدنيا دي هي سارة، وعشان كده وجود سارة لوحدها كفاية ومغنيني عن الدنيا.
خلال العزومة، قرايب طارق مكنوش بيبطلوا كلام ومدح فيا، لأن أنا كنت مجهزة هدايا وموجب لكل واحد وواحدة فيهم. ورغم إن الهدايا مكنتش غالية أوي، بس كلهم استلموها وهما في قمة الفرحة والانبساط.
طارق كان شغال زي الألف قدامي؛ طول العشا وهو رايح جاي، يصب الشاي والقايمة، ويجري يخدم على ده وده. وطبعاً، كل ما كانت حركته تزيد قدامي كأنه شغال عندي، كل ما وش أمه يقلب ويبان عليه الضيق والغل.
بعد ما خلصنا أكل، أنا استأذنت وخرجت الأول عشان أسبقهم على العربية.
ومكنتش متوقعة إني وأنا واقفة في الجراج، هسمع بالصدفة الحوار اللي داير بين أم طارق وقرايبها!
واحدة من قرايبهم كانت بتقول لها
يا أختي ده أنتِ دعيالك في ليلة طاقة قدر! طارق ابنك محطش قرش صاغ واحد واتجوز جوازة لقطة، البنت قمر ومعاها فلوس قد كده.
أم طارق ردت بنبرة مليانة غيظ ومكتومة
يا حبيبتي ماشي محطش قرش، بس طارق بالمنظر ده كأنه متجوز عريس مش عروسة! أنتِ مش شايفاه واقف قدامها خاضع وخانع ازاي؟ مفيش ريحة الرجولة ولا شخصية خالص، مضيع هيبته قدامها.
لما سمعت كلامهم ده، ابتسمت ببرود وسخرية.
ومقُلتش ولا كلمة.
لو طارق كان ذكي شوية، كان هيفهم إن الناس دي بتحسده وبتنق عليه، وقاصدين يولعوا الدنيا بيني وبينه ويخربوا بيته.
بس للأسف…
أنا كنت مدياله أكبر من حجمه ومفكراه أذكى من كده.
بعد العزومة دي، أنا قدمت على إجازة من الشركة.
قبلها كنت لسه مقفلة ديل وشغلانة كبيرة ومكسباهم ملايين، فالمديرين عندي كانوا كرمة جداً معايا، ووافقوا لي على طول على إجازة شهر كامل مدفوعة الأجر، وقالوا لي سافري واتفسحي وانبسطي بحياتك.
وخلال الشهر ده، أنا وطارق كنا لازقين في بعض 24 ساعة.
والنتيجة طلعت بالظبط زي ما كنت مخططة ومستنية.
محصلش وقت طويل ولقيت نفسي حامل.
طارق مكنش سايعاه الدنيا من الفرحة.
وعلى طول اتصل بأمه وجابها من البلد عشان تقعد معانا وتخدم وتجهّز لحاجة السبع والولادة.
وأنا من ناحيتي، مبديتش أي اعتراض.
طارق طول الوقت كان مهتم بيا وحنين جداً، وأمه أول ما جت كانت باينة ست غلبانة وفي حالها وطيبة أوي.
وبعد ما نقلوا وعاشوا معايا، كان كل كبيرة وصغيرة في البيت بتمشي بكلمتي وأمري أنا، وحماتي كانت عارفة حدودها كويس ومبتتعداهاش.
دادة فاطمة جات لي في يوم وقالت لي يا ست منى، خدي بالك برضه.. أنا حاسة إن الأم وابنها بيمثلوا عليكِ الطيبة والهدوء ده عشان يمشوا دنيتهم.
بس أنا مكنتش مدية كلامها اهتمام كبير.
ومكنش فارق معايا هما بيمثلوا ولا دي حقيقتهم.
طالما قدام عيني بيسمعوا الكلام وماشيين على العجين ميلخبطهوش، يبقى تمام.
بس كل حاجة اتقلبت في ليلة من الليالي.
الجو ليلتها كان حر جداً.
وقبل ما أنام، كنت شاربة أعشاب مهدئة ومدرة للمياه كتير، فعشان كده صحيت نص الليل كذا مرة عشان أدخل الحمام.
في مرة من المرات وأنا بصحي، ملقتش طارق نايم جنبه على السرير.
قلبي نقح عليا وحسيت إن فيه حاجة مش مظبوطة.
قمت من على السرير بالراحة ومن غير صوت وخرجت بره الأوضة.
في الصالة…
لقيت طارق وأمه قاعدين مع بعض على الكنبة، وبيتوشوشوا في موضوع.
مشيت براحة واستخبيت ورا البارتيشن الخشب اللي في الصالة.
ووقفت أسمع هما بيقولوا إئي.
صوت حماتي كان مخنوق بالدموع والأسى وهي بتقول
يا ضنايا يا ابني، يصعب عليا أشوفك بالمنظر ده.. أنت راجل بشنبك وطول بعرض، وأنا كل يوم شايفة ابني بيخدم مراته كأنه شغال عندها! قلبي بيتقطع عليك يا طارق.
صوت طارق نزل وبقى واطي وهو بيرد عليها
يا أمي، استحملي شوية بس.. هانت خلاص، كمان فترة مش هنعيش الأيام دي تاني ولا هنحتاج نطاطي لحد.
أنا كمان لما بشوفك بتسايسيها وتدوري على رضاها لمجرد إنها تديكِ قرشين، ببقى هموت من جوايا.
وبعد ما خلصوا الكلام ده…
لقيت الأم وابنها أخدوا بعض بالحضن وقعدوا يعيطوا عياط مكتوم في ضلمة الصالة!
أنا كنت واقفة ورا البارتيشن، وميتة على نفسي من الضحك والسخرية من المنظر الهزلي ده.
يعني هما مفكرين نفسهم عايشين في دراما ومستحملين العذاب عشان خاطري؟
طارق كمل كلامه وقال
يا أمي، مش أنتِ اللي دايماً كنتِ بتقولي لي إن الست مهما كانت قوية ومفترية، أول ما بتخلف وتربطها العيل، بتبقى زي الفرخة المبلولة وبتتكسر شوكتها؟
اطمني خالص، معاد ولادتها فاضل عليه أقل من شهر. استني بس تولد وتقوم بالسلامة، وساعتها مش هنعيش بقلة القيمة دي في البيت ده تاني، وكل حاجة هتبقى تحت إيدينا.
حماتي هزت راسها وقالت
ياه.. يا رب الأيام تجري، أخيراً هنوصل للي عايزينه.
أنا مأظهرتش نفسي ومقُلتش أي حاجة.
رجعت أوضتي بالراحة ونمت.
ومن تاني يوم الصبح، أجرت مكتب تحريات خاص ومحامي يراقبوا كل خطواتهم، حركتهم، مكالماتهم.. كنت عايزة أعرف كل تفتوفة عنهم.
وعشان كده النهاردة، لما طارق وأمه غيروا وشهم معايا فجأة.
وقرروا يمشوا ويسيبوني لوحدي قبل يوم واحد من ولادتي..
أنا كنت باردة ومستعدة ومفيش أي مفاجأة بالنسبة لي.
بصيت على الموبايل وعلى الرسايل اللي مكتب التحريات لسه باعتها لي حالا.
الصور والفيديوهات مبيّنة إن الأم وابنها، بدل ما يركبوا ويروحوا البلد، داخلين مول كبير وقاعدين في مطعم بياكلوا ويشربوا ومأنتخين، ونازلين شوبينج ولف على المحلات!
مسكت تليفوني وبكل برود…
دخلت على حسابي البنكي وعملت إيقاف وفك ربط للفيزا كارد الإضافية اللي كنت مطلعاها لطارق عشان يصرف منها.
هما الاتنين كانوا مستنيين اليوم ده بفارغ الصبر.
بس من حظهم السيء…
إن أنا كمان كنت مستنية اليوم ده أكتر منهم بكتير.
الحكاية وما فيها…
إنهم فاكرين إن لما العيل يجي الدنيا هيلووا دراعي بيه ويتحكموا فيا.
لكن الخطة اللي في دماغي أنا كانت…
إن أول ما العيل ده ينور الدنيا، هما الاتنين مش هيبقى ليهم أي تلاتين لازمة ولا قيمة في حياتي، وهرميهم زي الكينكس المستعمل.
بعد وقت قصير، سارة صاحبتي وصلت الشقة.
لما دخلت ولقت البيت فاضي ومفيش غيري أنا ودادة فاطمة، ضحكت وقالت
الاتنين دول مشيوا بجد وسابوكِ؟
هزيت راسي وقلت لها آه.
سارة هزت كتافها وقالت بسخرية
حاجة تجنن وتفطس من الضحك.. عايزين يمشوا يمشوا، لازم يعني تأليف وفيلم حلم المدافن والفلوس ده عشان يخلعوا؟
منى، متقلقيش خالص من أي حاجة. أنا كلمت شركة نقل العفش وكل حاجة جاهزة،





