
حكايه دياب وفاتن
“اسمعي يا بنت الناس.. دي مجرد سقف بيأوينا. جدي فرضك عليا هناك، بس هنا أنا اللي بمشي كلمتي.”
شاور على صغيرة في آخر الطرقة وكمل:
“دي .. ودي . أنا راجل ورايا مستقبل ودراسة ومستشفيات، مش فاضي لدلع الحريم وتفاهات الجواز. إنتي هنا زي ما جدي قال.. مسؤولة عن الأكل، الغسيل، ونضافة المكان. صوتك ما يعلاش، وماتخرجيش بره باب دي مهما حصل لأنك ما تعرفيش حاجة وممكن تضيعي وتعمليلي
فاتن بلعت ريقها، وهزت راسها بهدوء، وصوتها طلع مهزوز بس فيه رضا غريب:
“حاضر يا ابن عمي… اللي تشوفه.”
دياب اتعصب من هدوءها، كان مستنيها تبكي، تنهار، تشتكي.. بس استسلامها ده استفزه أكتر. سابها ودخل أوضته وقفل الباب وراه بالترباس!
شهر من العزلة
عدى شهر كامل. شهر فاتن فيه كانت فعلاً زي الجنية المجهولة في البيت. بتصحى قبل الفجر، تجهزله فطار سخن، وتكوي البالطو الأبيض بتاعه، وتلمع جزمته. الشقة بقت بتلمع من النضافة، وريحة الأكل البيتي مالية المكان.
دياب كان بيرجع هالك من التعب، ياكل من غير ما يشكرها، يدخل ينام، ويصحى يكمل دوامة شغله ومذاكرته. كان متجاهلها تماماً، كأنها مش موجودة، بيعاقبها عشان هي الرمز لضعفه قدام جده.
لكن في يوم، وتحديداً في يوم إجازة دياب، حصل اللي قلب الموازين كلها…
الزائرة المجهولة
فاتن قررت في اليوم ده تعمل حاجة مختلفة. حبت تفرحه وتكسر الجليد اللي بينهم. لبست فستان بسيط بس ألوانه زاهية كانت جايباه في جهازها ومخبيته، وسرحت شعرها الطويل الأسود اللي كان دايماً مخفي تحت الطرحة في البيت، وحطت كحل عربي خلى عينيها الواسعة تسحر، وعملت صينية بسبوسة ريحتها جابت آخر العمارة.
الساعة دقت 8 بالليل. سمعت صوت المفتاح في الباب. ابتسمت ووقفت في الصالة مستنياه يدخل.
الباب اتفتح… بس دياب ماكانش لوحده!
دخل دياب، وهو بيضحك ضحكة مجلجلة فاتن عمرها ما سمعتها منه. كانت ماسكة في دراعه بنت أجنبية، شقراء، لبسها أنيق جداً وقصير، وبتتكلم معاه بدلع.
الضحكة ماتت على شفايف دياب أول ما عينه وقعت على فاتن.. وقف متسمر في مكانه، وعينه اتسعت من الصدمة لما شافها بالفستان وشعرها المفرود، لأول مرة يشوفها كـ “أنثى” مش كـ “بنت عمه المفروضة عليه”.
لكن الصمت ده ما طالش.. البنت الأجنبية بصت لفاتن من فوق لتحت باستغراب، وبعدين بصت لدياب وسألته بالإنجليزي بصوت مسموع:
(أوه، دياب… هل هذه هي الخادمة الجديدة التي أخبرتني عنها؟ التي من قريتك؟)
فاتن صحيح ما كملتش تعليمها العالي، بس الكلمة دي… كلمة “Maid” (شغالة) رنت في ودانها لأنها سمعتها كتير في التليفزيون، ونظرة الاحتقار اللي في عين البنت الأجنبية كانت أوضح من أي ترجمة.
الأكل اللي في إيد فاتن كان هيقع، بس مسكت نفسها. عينيها اللي كانت دايماً وضعيفة، رفعتها وبصت لدياب مباشرة.. نظرة كلها نار، خيبة أمل، وكرامة .
دياب وشه جاب ألوان، بلع ريقه ولسانه اتربط.. مش عارف ينطق، مش عارف يكدب على صاحبته، وفي نفس الوقت مش قادر يبص في عين مراته اللي داس على كرامتها بالشكل ده.
البنت الأجنبية قربت خطوة وقالت لدياب باستعجال:





