
رموني في دار مسنين
عيلتي رموني في دار مسنين، فقررت أعمل أذكى ممكن.
أنا كتبت البيت باسم ابني، عشان كان واعدني إنه عمره ما هيسيبني لوحدي.
بعد كام أسبوع، مراته بصّتلي في عيني وقالتلي:
“البيت ده مبقاش بيتك.”
لما قلت لابني أحمد إني كبرت وبقيت محتاجة حد يكون معايا، اقترح عليّا إنه ينقل هو ومراته مي وابنهم الصغير يعيشوا معايا.
قلتله:
“لو البيت بقى بتاعك، مش هيبقى حمل عليك… هيبقى بيتك.”
بصلي باستغراب وقال:
“إنتِ عايزة تكتبيهولي؟”
“أنا عايزاك تبقى راجل البيت. إنت اللي تاخد القرارات. بس بشرط واحد.”
“شرط إيه؟”
“لو حصل لي أي حاجة… أو كبرت أكتر ومبقتش قادرة أعتمد على نفسي… متسبنيش، تمام؟”
ضحك وقال:
“يا ماما، إنتِ بتقولي إيه؟ طبعًا مش هسيبك. إنتِ أمي.”
خلال أسبوع واحد بس، كنا مضينا كل الأوراق.
وبعدها أحمد سافر في رحلة شغل طويلة.
ومن اللحظة دي… مي اتغيرت.
في يوم، دخلت عليّا الأوضة وهي متعصبة وقالت:
“إنتِ سيبتي المكواة شغالة!”
بصيتلها باستغراب.
“أنا طفيت كل حاجة.”
“لأ، أنا قلت لأحمد غير كده. هو قلقان عليكي.”
“بس… دي كدبة!”
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
“هي بس نسخة محسّنة شوية من الحقيقة. إنتِ محتاجة حد متخصص يهتم بيكي.”
“مي، إنتِ بتقولي إيه؟ أنا كويسة وعقلي سليم.”
ردت بمنتهى الهدوء:
“هنشوف.”
بعد كام يوم، وأنا معدية جنب أوضة أحمد، سمعته بيتكلم مع مراته في التليفون.
مي كانت بتقول:
“حبيبي، أمك سابت ابننا لوحده في الملاهي! أنا لحقت الولد بالعافية.”
سكتت شوية وبعدين كملت:
“أيوه، أنا فهمت دلوقتي. الموضوع مش مجرد سن… دي بدأت تفقد السيطرة على نفسها. وجودها مع الطفل بقى خطر.”
اتجمدت مكاني.
“إيه؟!”
دخلت عليهم وأنا مصدومة.
“أنا كنت واقفة هناك طول الوقت! إنتِ بتكدبي يا مي! وإنتِ عارفة كويس إنك بتكدبي!”
وفجأة…
الدنيا اسودت قدام عيني.
لما فتحت عيني، لقيت دكاترة واقفين حواليا…
ومي كانت بتلم هدومي وتحطها في شنطة.
قالت بمنتهى البرود:
“يلا بينا. وقت الراحة جه. كل حاجة اتظبطت.”
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
“بس أنا مش عايزة أسيب بيتي!”
ردت:
“البيت ده مبقاش بيتك.”
حسيت قلبي وقع.
“بس… أحمد وعدني.”
قالت وهي بتقفل الشنطة:
“أنا اتكلمت مع أحمد. هو شايف إنك محتاجة رعاية على مدار اليوم طول ما هو مسافر. وأنا هتأكد إنك تاخدي الرعاية دي.”
بعد أربعين دقيقة بس…
كنت قاعدة في دار مسنين، مش مصدقة اللي حصل.
ومن بعيد، شفت مي وهي بتزق مبلغ كبير من الفلوس في جيب مدير الدار.
بصيتلها بصدمة.
“هو ده هزار؟!”
ابتسمت وقالت:
“دي رعاية يا طنط. أنا بس… بحطك في إيد أمينة.”
وبعدين قربت مني وقالت بصوت واطي:
“أخيرًا خلصت منك.”
بصيتلها وأنا مش مصدقة.
“ليه يا مي؟ أنا كتبتلكم البيت! إحنا عيلة!”
ضحكت وقالت:
“بالظبط. إنتِ اللي اديتيهولنا… وخسرتيه.”
وسابتني ومشيت.
في نفس الليلة، كنت قاعدة لوحدي في الصالة الكبيرة في دار المسنين، ببص قدامي وأنا بحاول أستوعب إزاي ابني ومراته عملوا فيا كده.
فكرت.
— المحامي اللي عمل الورق كان موجود… وأنا قلت الشرط قدامه.
حسام حط القهوة على الترابيزة بسرعة.
— والمحامي ده عايش؟
بصيتله.
— أستاذ فؤاد؟ أيوه.
ابتسم.
— يبقى أول خطوة مش نون.
ضحكت.
— أمال؟
قال وهو بيطلع موبايله:
— محامي.
بعد ساعتين، كنا قاعدين في مكتب الأستاذ فؤاد.
الراجل أول ما شافني قام من مكانه.
— مدام سعاد؟ خير؟ إيه اللي حصل؟
قلتله كل حاجة.
كل كدبة قالتها مي.
كل مرة حاولت تطلعني مش واعية.
كل كلمة قالتهالي قبل ما تسيبني في الدار.
ولما خلصت، الأستاذ فؤاد شال النظارة من على عينه وقال:
— أنا فاكر اليوم اللي كتبنا فيه البيت.
بصيتله بسرعة.
— فاكر كلام أحمد؟
هز راسه.
— فاكر كويس إنه قال قدامي: “أمي هتفضل في بيتها لآخر يوم في عمرها.”
قلبي دق.
حسام مال لقدام.
— الكلام ده يفيد؟
الأستاذ فؤاد رد بهدوء:
— مش كفاية لوحده عشان يلغي نقل الملكية فورًا، لكن لو في استغلال، أو خداع، أو إساءة استخدام لحالتها، أو محاولة متعمدة لإبعادها…
بصلي.
— ساعتها الموضوع بيتغير.
قلتله:
— وأنا عندي أكتر من كده.
طلعت الموبايل القديم بتاعي.
مي كانت فاكرة إني خرجت من البيت من غير أي حاجة مهمة.
بس ماكنتش تعرف إني طول عمري بحب أحتفظ بنسخ.
فتحت تسجيل صوتي.
صوت مي ظهر بوضوح:
— “لما أحمد يرجع، البيت هيبقى بتاعنا لوحدنا… هي أصلًا مش هتقدر تعمل حاجة.”
الأستاذ فؤاد بصلي.
— التسجيل ده إمتى؟
— قبل ما أجي هنا بيومين.
ابتسم حسام ببطء.
— اللعبة بدأت فعلًا.
الأستاذ فؤاد قال:
— لسه. دلوقتي هنشتغل صح. مفيش تهديد، مفيش فضايح، مفيش تصرفات انفعالية.
بصلي:
— خليهم فاكرين إنك استسلمتي.
سألته:
— ليه؟
قال:
— لأن اللي بيطمع… لما يفتكر إنه كسب، بيكشف نفسه أكتر.
ابتسمت.
— أهو ده الكلام اللي يعجبني.
الفصل التالت: مي بدأت تحلم أكبر من اللازم
عدى أسبوع.
ماكلمتش أحمد.
وهو كمان ماكلمنيش.
وده كان أكتر شيء وجعني.
ماكنتش مستنية منه معجزة.
بس كنت مستنية يسأل:
“ماما إنتِ كويسة؟”
حتى دي ماحصلتش.
في المقابل، مي ابتدت تتصرف في البيت كأنه ملكها من سنين.
غيرت العفش.
رمت حاجات ليا.
وباعت شوية تحف قديمة كانت تخص جوزي الله يرحمه.
عرفت كل ده من جارتنا أم محمود.
اتصلت بيا وهي متعصبة:
— يا سعاد، الست دي بتطلع حاجاتك في عربيات نقل!
غمضت عيني.
— سيبيها يا أم محمود.
صرخت:
— أسيبها إزاي؟!
قلت بهدوء:
— كل حاجة بتطلع من البيت… بتدخل في ملف.
سكتت.
— ملف إيه؟
ابتسمت:
— ملف هيكبر عليها شوية شوية.
في نفس الوقت، حسام كان بيتابع حساب الإعلانات اللي مي بتنزلها.
وفي يوم، دخل عليّا وهو بيضحك.
— ست سعاد… مرات ابنك اتجننت رسمي.
ناولني الموبايل.
لقيتها منزلة إعلان:
“فيلا عائلية مميزة للبيع، تشطيب فاخر، جاهزة للمعاينة.”
اتجمدت.
— هي بتبيع البيت؟!
قال:
— أيوه.
حسيت الدم طلع في وشي.
لكن حسام قال بسرعة:
— متتعصبيش. بالعكس.
— بالعكس إزاي؟!
ابتسم:
— دي أحسن حاجة عملتها لحد دلوقتي.
في اليوم نفسه، اتفقنا مع الأستاذ فؤاد على الخطة.
واحد من معارف حسام، راجل محترم اسمه المهندس شريف، اتصل بمي باعتباره مشتري.
بعد يومين، دخل البيت.
بيتي.
وقعد على سفرتي.
وشرب القهوة في طقم الفناجين اللي أنا كنت جايباه من أول مرتب ليا من سنين طويلة.
مي قالتله بفخر:
— البيت فاضي من أي مشاكل، والمالك جوزي.
سألها:
— والدته؟
ضحكت.
— راحت مكان مناسب لسنها.
— يعني مش هترجع؟
ردت بمنتهى الثقة:
— مستحيل.
المهندس شريف سأل:
— مفيش حد ليه حق إقامة؟ شرط؟ اتفاق قديم؟
قالت:
— لأ. كله خلص.
اللقاء كله كان موثق رسميًا ضمن إجراءات التفاوض عن طريق مكتب عقارات.
ولما التسجيل وصل للأستاذ فؤاد، قال جملة واحدة:
— تمام. كده هي بنفسها قالت أكتر مما كنا محتاجين.
الفصل الرابع: رجوع أحمد
بعد عشرة أيام، أحمد رجع من السفر.
كنت مستنية مكالمته.
فضلت مستنية لحد المغرب.
الموبايل ما رنش.
الساعة تسعة بالليل…
رن أخيرًا.
بصيت للاسم.
“أحمد ابني.”
سيبت الموبايل يرن شوية قبل ما أرد.
— ألو.
صوته كان متوتر.
— ماما… إنتِ عاملة إيه؟
رديت:
— كويسة.
— المكان كويس معاكي؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
— دلوقتي افتكرت تسأل؟
سكت.
— ماما، متكبريش الموضوع. مي قالت إن الدكاترة شايفين إنك محتاجة متابعة.
قلت:
— إنت شفت تقرير دكتور؟
سكت تاني.
— لأ، بس…
قاطعته:
— شوفت تحليل؟ كشف؟ تشخيص؟ أي حاجة؟
صوته وطّي.
— لأ.
قلت:
— طب جيت تزورني؟
— أنا كنت مسافر يا ماما.
— رجعت إمتى؟
— إمبارح.
سكت.
هو فهم.
يوم كامل رجع فيه، ومافكرش ييجي.
قال بسرعة:
— أنا هجيلك بكرة.
قلت:
— لأ.
— نعم؟
— متجيش بكرة.
— ليه؟
قلت:
— عشان بكرة عندي اجتماع.
ضحك باستغراب.
— اجتماع إيه؟
بصيت لحسام اللي كان قاعد قدامي.
وقلت:
— اجتماع بخصوص البيت.
صمت تام.
وبعدين أحمد قال:
— البيت؟ ماله البيت؟
قلت:
— اسأل مراتك.
وقفلت.
بعد أقل من دقيقة…
الموبايل رن تاني.
مي.
بصيت للشاشة وسيبته يرن.
حسام قال:
— مش هتردي؟
قلت:
— لأ.
ابتسم:
— ليه؟
قلت:
— أول قاعدة في اللعبة الجديدة… اللي عايز سعاد، ييجي لسعاد.
الفصل الخامس: المواجهة
تاني يوم، الساعة عشرة الصبح، باب دار المسنين اتفتح.
أحمد دخل بسرعة.
ورا منه مي.
أول ما شافتني قاعدة جنب حسام والأستاذ فؤاد، لون وشها اتغير.
قالت:
— هو إيه اللي بيحصل هنا؟
حسام قام.
— صباح الخير.
مي بصتله من فوق لتحت.
— حضرتك مين؟
رد:
— واحد شافك وإنتِ بتدفعي فلوس للمدير السابق هنا.
وشها شحب.
— أنا… كنت بدفع مصاريف.
ضحك حسام.
— نقدًا؟ وفي جيبه؟
أحمد لف ناحية مي.
— فلوس إيه؟
قالت بسرعة:
— أحمد، ماتسمعش كلامهم.
الأستاذ فؤاد فتح الملف.
— الأستاذ أحمد؟
— أيوه.
— حضرتك فاكر اليوم اللي والدتك نقلتلك فيه البيت؟
أحمد اتوتر.
— أيوه.
— فاكر وعدك ليها؟
سكت.
الأستاذ فؤاد كمل:
— إن البيت يفضل بيتها، وإنها ماتتسابش لوحدها؟
مي دخلت بسرعة:
— الكلام ده مش مكتوب!





