
حفيدتي
— طب تعالي معايا من باب الشفقة.
نور بصت له. الحاج محمود حاول يبتسم، بس الحزن كان بيهرب من أطراف عينيه.
— خلاص، يبقى شاي وبقسماط بس، قالت نور.
جوة القهوة، المكان كان ريحته شاي بالنعناع وعيش بلدي صابح. الحاج محمود طلب قهوة بن حوج، ونور طلبت شاي بالنعناع وقرصتين بسكر. لعدة دقايق اتكلموا في حاجات بسيطة: الروايات اللي نور بترتبها في المكتبة، الطلبة اللي الحاج محمود درس لهم على مدار ٤٢ سنة كمدرس تاريخ، والورد اللي مراته “فاتن” زرعته قبل ما تتوفى.
وفجأة طلع موبايل قديم من جيبه.
— عندي مشكلة تانية.
نور ابتسمت:
— وريني كده.
— كنت عايز أكلم حفييدِي، وتقريباً بعت قرد بيرقص على جروب العيلة!
نور بصت للشاشة، وفعلاً كان في استيكر كبير لقرد بلابس طربوش مكتوب عليه: “صباح الخير يا أبطال”.
نور ضحكت ضحكة عالية خلت ناس من ترابيزتين يلفوا يبصولها.
— حاج محمود، حضرتك كده أعلنت حرب إلكترونية!
— أنا عندي ٨١ سنة، مش حيلتي أحارب قرود والله.
الموبايل رن، وعلى الشاشة ظهر اسم “عمر”.
الحاج محمود اتوتر، داس على الزرار الغلط وقفل السكة.
— أنا دخلته في البريد الصوتي؟
— هو ده وحش؟ سأل الحاج محمود.
— على حسب.. حضرتك عايزه يفتكر إنك اتخطفت؟
بعد ٥ دقايق، دخل شاب عنده ٣١ سنة القهوة، مشمر أكمام قميصه، وشها مشدود، ومفاتيح العربية لسه في إيده. عينيه دورت على الحاج محمود، وبعدين وقعت على نور.
— يا حاج!
الحاج محمود رفع إيده بمنتهى البساطة:
— جيت في وقتك.. دي نور، حفيدتي.
عمر وقف مكانه متخشب:
— بس حضرتك معندكش حفايد بنات يا جدو!
نور كانت هتتخنق بالشاي:
— حكاية طويلة والله..
عمر أخدها على جنب ناحية الباب:
— إنتي مين؟
— أنا البنت اللي مثلت إنها حفيدته عشان ما يحسش إنه لوحده ويتهان في البنك.
عمر غمض عينيه أول ما سمع عن إلهام ورامي والتأجير والتهديد بالدار. الخجل جرى في دمه أسرع من الغضب:
— أنا آسف.. أنا افتكرت أسوأ حاجة.
— وعمتك افتكرت كده برضه.
عمر بص من القزاز.. الحاج محمود كان بيكسر القرصة بتركيز شديد وكأنه بيعمل مهمة قومية.
— جدو مقاليش إنهم بيمارسوا عليه ضغط كده.
— يمكن عشان حضرتك دايماً في اجتماعات؟
الجملة نزلت في مكانها صح. عمر مدافعش عن نفسه.
في اليوم ده، عمر وصلهم هما الاتنين. الحاج محمود قعد ورا، وعمل نفسه رجله بتوجعه عشان يجبر نور تقعد قدام جنب عمر.
— يا جدو، الصبح كان كتفك هو اللي بيوجعك!
— الوجع بيسافر يا ابني.
نور حطت إيدها على بقها عشان ماتضحكش.
على مدار الأسابيع اللي بعد كده، الحاج محمود كان بيلقى حجج غريبة عشان يكلم نور. كان محتاج رأيها في اختيار الطماطم في السوق، محتاج يتعلم أزاي يعمل مكالمة فيديو، أو عايز يعرف هل رُواية بوليسية كويسة ولا لأ لأن “القاتل شكله ابن ناس أوي”. نور كانت بتروح، وعمر بدأ يظهر هو كمان.





