
عشرون جراحا
قال حسن بصوت منخفض يرعب القلوب:
— “عامر… العملية اللي الخيط ده أتقفل بيها جوايا… اتعملت هنا. في جناح القصر. قبل تلات أسابيع. مين كان في الغرفة دي معاك؟”
عامر كان بيتصبب عرقاً كأن ماءً صُب عليه. يداه المترعشتان حاولتا الإمساك بطاولة المستلزمات الطبية:
— “حسن بيه! والله العظيم أنا جراح! أنا ماليش في النسيج ولا الخيوط! الأدوات والشنطة المعقمة جاتلي جاهزة من المستشفى الخاص بتاعك! الطقم الجراحي كله كان مقفول بشريط التعقيم الأصلي!”
لوجينا قرب من عامر، ومسك رقبة بدلته الطبية وسحبه لنصف الغرفة:
— “مين اللي سلمك الشنطة يا عامر؟! مين اللي كان ماسك أدوات التعقيم قبل ما تدخل على حسن بيه وهو ينزف من رصاصة الاغ/تيال?!”
عامر بصوت مبحوح وشهقات رعب:
— “مساعد الجراحة… الدكتور إيهاب! والشنطة كانت جاية في العربية المصفحة مع ‘حسام بيه’ أخوك!”
ساد صمت أشد قسوة من الأول.
اسم “حسام”—الأخ الأصغر لحسن، والرجل الذي يدير الشؤون المالية والتجارية لإمبراطورية حسن من الخلف—نزل على الغرفة كالصاعقة.
حسن لم يتحرك. لم يتغير خط واحد في وجهه الساطع. لكن عروق جبهته انقبضت بحدة.
قال حسن بصوت هادئ جداً:
— “حسام؟… حسام هو اللي جاب الشنطة من المستشفى؟”
أنا وقفت في مكاني، وعقلي بيجمع الخيوط بسرعة.
قلت بهدؤ وملاحظة دقيقة:
— “حسن بيه… الخيط ده لما بيمر في إبرة الجراحة، لازم يتثبت بعقدة معينة اسمها ‘العقدة المزدوجة المعكوسة’ لأن ملمس البوليمر زلق وما بيمسكش بالعقد الطبية العادية. الجراح اللي خيط الجرح ده… مش جراح عادي. ده شخص بيعرف يخيط جروح الميدان وبيمتلك خبرة في التنسيج العسكري، واستخدم العقدة دي عشان الخيط ما يتفكش جوه اللحم ويندفن تماماً!”
حسن نظر إليّ بتقدير عميق، ثم التفت للوجينا:
— “هات حسام… وهات الدكتور إيهاب. دلوقتي. ومن غير ما يحسوا بأي حاجة.”
لوجينا هز رأسه وانطلق للخارج كالظل المظلم.
بقتُ في الغرفة لوحدي مع حسن والدكتور عامر المربوط بحديد الحراسة عند الكرسي.
حسن نظر إليّ وقدم لي كأساً من الماء كان المساعد قد وضعه على الطاولة:
— “اشربي يا وفاء… أنتِ النهاردة رجعتي لي عمري. واللي يرجع لحسن حياته… يا إما يبقى دراعه اليمين، يا إما يبقى أول واحد يتكرم في بيته.”
أخذت الكأس بأصابع ثابتة وقلت:
— “أنا مش عايزة غير إني أدفع ديون أمي وأعيش في أمان يا حسن بيه.”
ابتسم حسن ابتسامة خفيفة مليانة غموض:
— “الأمان في القصر ده… بيتعمل بالس/لاح والعقل يا وفاء. وأنتِ عندك العقل.”
الفصل الثالث: سهرة الأقنعة الساقطة
بعد نصف ساعة…
انفتح باب الجناح الملكي.
دخل حسام، الأخ الأصغر لحسن. كان يرتدي بذلة فاخرة من الكتان الكحلي، ويبدو عليه التوتر، لكنه حاول تصنع الهدوء وهو يمسك بمسبحة من الكهرمان. ووراه كان يدخل الدكتور إيهاب—المساعد الطبي الشاب—وهو يحمل حقيبة جلدية سوداء.
حسام أول ما دخل وشاف حسن قاعد على السرير، وجسمه مشدود، ونبضه مستقر، ووجهه استرد لونه الطبيعي، خطى خطوة لورا بصدمة مش قادرة عينيه تداريها!
قال حسام بابتسامة متوترة وارتباك:
— “حسن؟! بسم الله ما شاء الله! إيه الأخبار يا حبيبي؟! الدكتور عامر كان لسه مكلمني من ساعة وبيقول إن الحالة متدهورة وإن بتفكروا في البتر!”
حسن لم يرد. كان ينظر إليه بنظرات هادئة وصافية كبحيرة ثلجية.
لوجينا قفل الباب الخشبي الثقيل وراهم، ووقف يغلق الأقفال الحديدية.
حسن أشار بيده نحو الحوض المعدني المتروك على الطاولة:
— “حسام… قرب شوف الخياطة اللي كانت في كتفي.”
حسام قرب ببطء، وعيونه بتتنقل في الغرفة. لما شاف الألياف السوداء الستة المرمية في الدم، وشه اصفر.
قال حسام:
— “إيه ده يا حسن؟ إيه القرف ده؟”
حسن بص للدكتور إيهاب المساعد، وقال بنبرة قاطعة:
— “إيهاب… ادخل اقعد.”
إيهاب كان بيرتعد. حقيبته الجلدية سقطت من إيده على السجاد!
حسن كمل كلامه بثبات وهو يشير إليّ:
— “دي وفاء… وفاء الخدامة اللي بتنظف جزمة جنابك كل يوم. وفاء اكتشفت إن الشنطة المعقمة اللي جابها حسام أخويا، كان فيها خيوط كفلار صناعية سامة… خيوط ما بيستخدمهاش غير اللي خدم في وحدات التدخل السريع أو الصيانة العسكرية!”
إيهاب سقط على ركبتيه فوراً، وصرخ برعب:
— “والله العظيم ما أنا يا حسن بيه! والله العظيم حسام بيه هو اللي جابلي العلبة المغلقة وقاللي دي خيوط مستوردة من ألمانيا للعمليات الحساسة وأمرني أستخدمها وأقفل بيها الطبقة الداخلية للجرح!”
حسام اتجنن وصرخ في إيهاب وهو بيضربه برجله:
— “أنت كذاب يا كلب! أنت بتتبلى عليا عشان تنقذ نفسك?!”
لوجينا جرى ومسك حسام من ذراعه، وثبته على الكرسي بقوة خرافية.





