
جوزي قالي انه مسافر
وليه؟
ما سألتش حد.
ما واجهتش أحمد.
وفي نفس الليلة، حطيت كاميرا صغيرة في مكان مستخبي، موجهة ناحية طرقة الدور.
وقعدت مستنية.
الساعة كانت 11:38 بالليل.
وفجأة…
باب شقة سمر اتفتح.
خرج أحمد.
بنفس البيجامة اللي كان بيكلمني بيها في مكالمة الفيديو.
وقفت ورا باب شقتي وأنا حابسة نفسي.
وبعده بثواني، ظهرت سمر.
لابسة روب نبيتي.
قربت منه…
وحاوطت وسطه بإيديها.
وأحمد…
باس أرملة أخوه.
باسها زي راجل راجع لبيته الحقيقي بعد غياب طويل.
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا وقفت.
أنا كنت فاكرة إني اكتشفت إن جوزي بيخوني.
لكن الحقيقة؟
إني لسه ما اكتشفتش غير أول باب في سر عائلي أخطر بكتير.
وقفت ورا باب شقتي، عيني مسمّرة على شاشة الموبايل اللي مربوط بالكاميرا المخفية، وقلبي بيضرب زي طبلة خبطت فجأة في عز الهدوء.
المنظر اللي قدامي لمس جرح عميق، بس الأغرب إنه لمس زاوية من الغموض كنت محتاجة أفهمها. سمر وأحمد مش مجرد اتنين بيخونوا بعض في السر كده بكل بساطة.. العلاقة بينهم كانت واضحة إنها أقدم بكتير من ليلة امبارح، وأعمق بكتير من مجرد “نزوة”.
رجعت لورا وقعدت على الكرسي، ومسكت راسي اللي كانت هتنطق من كتر التفكير. شريط دوا الضغط بتاع أحمد اللي لقيته في زبالة سمر.. الجزمة اللي فيها خدش الكعب.. إيصال الأكل لشخصين.. وقطعة الألومنيوم اللي مكتوب عليها بخط إيدي «التلات»!
أنا عمري ما كتبت الكلمة دي تخص سمر، ولا فكرت أكتبها أصلًا
إلا لو كانت حاجة تخص جدول أدوية أو مواعيد تخص البيت عندنا.. فإيه اللي جابها فوق؟
خيط الغموض يتسحب
تاني يوم الصبح، نزلت لعم رجب في البدروم تحت الجراج كأني نازلة أجيب طلبات، وفتحت معاه الكلام بذكاء الموظفة القديمة اللي عارفة تطلع الكلمة من بطن الطير:
—يا عم رجب، هو بوابتنا منورة دايماً بيك.. بس قول لي، هو أنت مش لاحظت حاجة غريبة في العمارة الأسبوعين اللي فاتوا دول؟ أحمد جوزي مسافر، ومع ذلك سمعت صوت خبط في الدور السادس كأن فيه حركة كتير بالليل.
عم رجب حك دقنه البيضا وبص حواليه بحذر وقال بصوت واطي:
—يا ست سما.. الصراحة، الباب بيفتح ويقفل من زمان، مش بس الأسبوع ده. بس الأستاذ أحمد.. كان بيطلع فوق بحذر، أحياناً بيلبس كاب عشان الكاميرات القديمة اللي كانت متوصلة تحت.. والأغرب يا بنتي، إن المرحوم محمود.. الله يرحمه.. قبل ما يموت بشهرين، كان جه عندي وقالي “يا عم رجب، لو حسيت إن فيه صوت غريب فوق أو إن أحمد بينزل من عند سمر متأخر، سيبك خالص.. ده أمر عائلي بنحله”.
كلمات عم رجب نزلت عليّ زي الصاعقة.
محمود.. جوز سمر اللي مات في حادثة عربية من ست شهور.. كان عارف؟
يعني الموضوع مش خيانة اتولدت النهاردة ولا إمبارح.. ده سر قديم بين الأخوات، وسر ممتد جوه جدران العمارة دي!
المواجهة الكبرى
في نفس اليوم بالليل، الساعة اتنين بالليل.. سمعت تكة أسانسير.
فتحت باب شقتي بهدوء تام، من غير ما أصدر أي صوت، ووقفت في الطرقة المضلمة.
أحمد كان نازل من فوق، لابس نفس التيشيرت اللي سافر بيه. أول ما لف ولقاني في وشّه واقفة وكتفي مائل على الباب وباصه له بنظرة ثابتة.. الدم جرى في عروقه ووقف في مكانه كأنه شاف شبح.
—س.. سما؟ إنتي مش نايمة؟ مش المفروض كنتِ..
قاطعته بصوت هادئ وثابت مكنش فيه نقطة عياط واحدة:
—المفروض إني في إسكندرية، صح؟ أو نايمة في السرير وتعبانة بالدوا.. بس الحقيقة يا أحمد إن جزمتك اللي فيها خدش الكعب لسه مبيّنة مكانها تحت كنبة شقة سمر فوق.. وإيصال الأكل وشريط الضغط.. وورقة الألومنيوم اللي بخط إيدي.. حان الوقت تقول لي الحقيقة كاملة، من غير ولا كلمة كدب واحدة، لإنك لو كدبت دلوقتي.. لا أنا هسكت، ولا المحكمة اللي اشتغلت فيها سنين هتسيبك تطلع منها سليّم.
أحمد بلع ريقه بصعوبة، وباس شفايفه الناشفة، وبص حواليه برعب.. وفجأة، اترمى على أول سِلمة في الطرقة، وغطى وشّه بإيديه وبدأ يعيط عياط رجل مقهور مش عارف يهرب من مصيبته.
—حقك عليّا.. حقك تعلمي فيّا اللي ترضيه.. بس والله العظيم الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة خالص.. مش خيانة بالمعنى اللي في دماغك!
قعدت قدامه على سِلمة قصاده، وربطت إيدي ببعض وقلت بجدية مرعبة:
—انطق.. سامعاك.
السر العائلي المرعب
مسح أحمد دموعه وقال بصوت مكسور:
—محمود أخويا.. الله يرحمه.. مكاتش مات في حادثة عادية يا سما..
قلبي وقف مكانه.
—محمود.. قبل ما يموت بشهرين.. اكتشف إن عنده مرض خطير في الدم.. والدكتور قاله
إن أي حمل جديد أو إنجاب هيكون مستحيل، وإن حياته نفسها في خطر لو اتعرض لأي ضغط نفسي.. بس سمر كانت ميتة على عيال، وكانت بتحلم باليوم اللي يكون عندها طفل. محمود.. في أواخر أيامه.. قعد معايا وقالي بالحرف الواحد: “أنا بموت يا أحمد، وعايز مراتي تسترها دنيا وآخره، وعايز حد من دمّي يشيل اسمها ويحفظها.. ابقى راجل مع مراتي بعد ما أموت، واعتبرها أمانة في رقبتك”..
أحمد بص لي بعيون مليانة توسل:
—يوم الحادثة.. محمود مكاتش مسافر، كان راجع من عند الدكتور وهو في حالة انهيار، وفقد السيطرة على العربية ودخل في شاحنة.. ومن يومها.. وأنا بطلع فوق أصلح لها حاجات البيت، وأرعى شؤونها زي ما وصاني أخويا.. والورقة اللي بخط إيدك.. دي كانت روشتة دوا كتبتُها لها بالخطأ لما كانت عيانة وجبتلها العلاج مع أكل دايماً بطلبه لها.. والله العظيم ماستندت لخيانه ولا نجاسة.. دي وصية أخ ميت كانت كاتمة على نفسي ومكنتش عارف أقولهالك إزاي عشان خايف رد فعلِك!
قعدت ساكتة ثواني طويلة.. الكلام دخل عقلي، بس وزنه كان أثقل بكتير من إني أستوعبه بسهولة.
بصيت لـ أحمد وهو قاعد قدامي مهزوم، تائه بين وعوده لأخوه وبين بيته وحياته معايا.. وفهمت ساعتها إن أكبر سر في العيلة دي مش مجرد جزمة تحت الكنبة ولا كاميرا مخفية.. ده كان ثمن الوصايا القديمة اللي بتدفن أصحابها تحت الأرض، وبتسيب الباقيين عايشين جوه جحيم من الشك والأسئلة اللي ملهاش إجابة.
قمت من مكاني بصمت، دخلت شقتي،
وقفلت الباب بالمفتاح ورايا.. وسيبته قاعد لوحده على السِلمة في الضلمة، مش عارف بكرة هيخبي لنا إيه إحنا الاتنين.





