قصص قصيرة

سبوع ابن ضرتي

الفصل الأول: ليلة السبوع

لم تكن ترقص فرحًا بالمولود.

ولم تكن ترقص لتلفت الأنظار، رغم أن كل عين في القاعة كانت معلقة بها.

كانت ترقص لأنها لو توقفت للحظة واحدة فقط… ستبكي.

وهبة أقسمت قبل أن تنزل من غرفتها تلك الليلة أنها لن تمنح أحدًا متعة رؤية دموعها.

خصوصًا نادر.

زوجها.

الرجل الذي وقفت إلى جواره سبع سنوات كاملة، ثم قرر في لحظة أن يكافئ صبرها بأن يأتي لها بضرة إلى البيت.

رفعت هبة ذراعها مع دقات الموسيقى، وتحرك فستانها الأنيق حولها بينما علت الزغاريد.

كانت جميلة بصورة مستفزة.

جميلة لدرجة جعلت إحدى قريبات نادر تميل ناحية الأخرى وتهمس:

— والله العظيم أنا مش فاهمة الست دي معمولة من إيه… دي بترقص في سبوع ابن ضرتها!

وصلت الجملة إلى أذن هبة.

فابتسمت.

وأكملت رقصها.

في صدر القاعة كانت سمر، الزوجة الثانية، جالسة على كرسي كبير، تحتضن طفلها الذي لم يتجاوز عمره سبعة أيام.

وبجوارها نادر.

الأب السعيد.

كل عدة دقائق ينظر إلى ابنه، ثم يبتسم بفخر.

الابن الذي انتظرته العائلة سنوات.

الابن الذي بسببه تحولت هبة من “مرات ابننا وحبيبتنا” إلى “الست اللي ما خلفتش”.

كانت أم نادر أكثر واحدة سعيدة.

تحمل طبق الحلوى وتوزعه بنفسها وهي تقول:

— عقبالكوا كلكوا… ربنا رزقنا أخيرًا بالولد اللي يشيل اسم أبوه.

سمعتها هبة.

وتوقفت قدمها للحظة.

أخيرًا.

كلمة واحدة فقط كانت كافية لتختصر سبع سنوات من الإهانة.

سبع سنوات من الأطباء والتحاليل والأدوية والحقن.

وسبع سنوات كان نادر يقول لها خلالها:

— لو الدنيا كلها قالتلي سيبك، مش هسيبك.

ثم ترك يدها دون أن يطلقها.

وهذه كانت أقسى طريقة يمكن لرجل أن يترك بها امرأة.

أن يحتفظ بها زوجة…

ويمنح حياتها لامرأة أخرى.

اقتربت منها ابنة خالة نادر وهي تضحك:

— إيه يا هبة؟ ده إنتِ عاملة فرح مش سبوع!

ردت هبة وهي تواصل الرقص:

— ما هو يوم يستاهل.

— بجد فرحانة؟

توقفت هبة.

نظرت إليها مباشرة.

ثم قالت بابتسامة:

— جدًا.

ضحكت الفتاة ومشت.

لكن امرأة واحدة في القاعة لم تصدق تلك الابتسامة.

الحاجة صفية، جدة نادر.

امرأة تجاوزت السبعين، لكنها كانت ترى ما يعجز الآخرون عن رؤيته.

راقبت هبة طويلًا.

ثم تمتمت:

— البت دي وراها حاجة.

على الناحية الأخرى، انحنت سمر ناحية نادر وقالت بضيق:

— هي لازم تعمل المنظر ده؟

نظر نادر إلى هبة.

لأول مرة منذ بداية الحفل، رآها فعلًا.

فستانها.

شعرها.

ضحكتها.

والأغرب…

أنها لم تنظر إليه ولو مرة.

قال:

— سيبيها تفرح.

رفعت سمر حاجبها:

— تفرح بإيه بالظبط؟

لم يرد.

فقالت وهي تضم الطفل إلى صدرها:

— أنا مش مرتاحة.

— من إيه؟

— منها.

ضحك نادر.

— هبة؟!

— أيوه، هبة. الست اللي ضرتها خلفت ابن وهي واقفة ترقص كأنها كسبت مليون جنيه… دي يا إما مجنونة، يا إما مخبية مصيبة.

هذه المرة لم يضحك.

لأن الفكرة نفسها كانت قد مرت في رأسه.

وقبل أن يرد، انطفأت الموسيقى.

صفق الجميع.

وهبة انحنت قليلًا وهي تضحك.

ثم اتجهت إلى الطاولة، أخذت كوب ماء وشربت بهدوء.

اقترب منها نادر.

— مبسوطة؟

وضعت الكوب مكانه.

— جدًا.

— بجد؟

رفعت عينيها إليه.

كانت هذه أول مرة تنظر له منذ بداية الحفل.

— هو إنت مستغرب ليه؟

— مش مستغرب… بس…

— بس إيه؟

خفض صوته:

— يعني الوضع مش سهل عليكي.

ابتسمت هبة.

— بالعكس. أنا النهارده مرتاحة أكتر من أي يوم فات.

شعر نادر بشيء غريب في صوتها.

— هبة…

قاطعته:

— روح لمراتك يا نادر. الناس بتبص علينا.

تجمد وجهه.

منذ زواجه بسمر، لم تقل هبة أمامه كلمة مراتك بهذه الطريقة.

كأنها تخرجه من حياتها وتضعه في حياة امرأة أخرى.

مد يده وأمسك معصمها.

— إحنا هنتكلم بعد ما الناس تمشي.

نظرت إلى يده.

ثم إلى عينيه.

— ياريت.

وسحبت يدها بهدوء.

في تلك اللحظة، ظهر رجل عند مدخل القاعة.

بدلة داكنة.

حقيبة أوراق في يده.

وقف يبحث بين الموجودين حتى وقعت عيناه على هبة.

أشار لها.

ابتسمت.

الحاجة صفية كانت تراقب.

ونادر أيضًا.

اقترب الرجل من هبة وقال:

— مساء الخير يا مدام هبة.

— مساء النور يا أستاذ حسام.

أخرج ملفًا من حقيبته.

— الورق كله جاهز.

لمعت عيناها.

— كله؟

— زي ما طلبتي بالظبط.

ناولها الملف.

لكن قبل أن تأخذه، جاء صوت نادر من خلفها:

— ورق إيه؟

التفت الرجل.

وتغير وجهه قليلًا.

أما هبة…

فأخذت الملف وضمته إلى صدرها.

ثم قالت بهدوء:

— حاجة تخصني.

اقترب نادر.

— وحسام المحامي بيجيبلك حاجة تخصك في سبوع ابني؟

ردت:

— أيوه.

— إيه هي؟

نظرت حولها.

العائلة كلها تقريبًا بدأت تنتبه.

سمر تراقب من بعيد.

أم نادر توقفت عن توزيع الحلوى.

حتى الموسيقى لم تعد تعمل.

اقتربت هبة من زوجها خطوة.

وقالت بصوت منخفض:

— قلتلك هنستنى الناس تمشي.

لكنه رفع صوته:

— وأنا بقولك عايز أعرف دلوقتي.

ساد الصمت.

نظر حسام إلى هبة وكأنه يسألها إن كان يتدخل.

لكنها هزت رأسها.

ثم فتحت الملف.

أخرجت منه ورقة.

ومدتها إلى نادر.

قرأ أول سطر.

وتغير لون وجهه.

رفع عينيه إليها.

— إيه ده؟

قالت هبة بمنتهى الهدوء:

— طلبي للطلاق.

شهقت أكثر من امرأة.

وصرخت أمه:

— طلاق؟!

أما سمر…

فلمعت عيناها بانتصار سريع لم تستطع إخفاءه.

لكن هبة لم تنتهِ.

أخرجت ورقة ثانية.

ثم ثالثة.

وقالت:

— ودي مستندات ملكية البيت.

قطب نادر حاجبيه.

— مالها؟

ابتسمت هبة.

— البيت ده بتاعي.

ضحكت أمه بسخرية:

— بيت إيه اللي بتاعك يا بنتي؟ ده بيت ابني!

التفتت هبة إليها.

— كان.

اختفت الضحكة.

أكملت هبة:

— نادر نقل نصيبه في البيت باسمي من أربع سنين علشان مشكلة الضرائب والقرض… فاكر يا نادر؟

نظر إليها نادر بصدمة.

كان يتذكر.

لكن شيئًا في نظرتها أخبره أن الأمر أكبر من ذلك.

قال بعصبية:

— نصيبي بس.

هزت رأسها.

— فعلًا.

ثم أخرجت ورقة أخرى.

— والنص التاني كان باسم الحاجة صفية.

التفت الجميع إلى الجدة.

ابتسمت الحاجة صفية لأول مرة.

وقالت:

— وأنا بعته لهبة من شهرين.

صرخت أم نادر:

— يا ماما!

ضربت الجدة عصاها بالأرض.

— اسكتي.

ثم نظرت إلى هبة.

— كملي يا بنتي.

بدأ وجه نادر يشحب.

أما سمر، فنهضت وهي تحمل طفلها.

— يعني إيه الكلام ده؟

التفتت هبة إليها.

نظرت إلى الطفل.

وللحظة…

اختفت القوة من عينيها.

اقتربت منه.

لمست كفه الصغير بأطراف أصابعها.

ثم همست:

— مالوش ذنب.

رفعت عينيها إلى سمر.

— ابنك مالوش ذنب في أي حاجة حصلت.

ثم نظرت إلى نادر.

— لكن أبوه له.

قال نادر من بين أسنانه:

— إنتِ مخططة لكل ده من إمتى؟

ابتسمت.

— من اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة.

ساد صمت ثقيل.

قال:

— حقيقة إيه؟

توقفت هبة.

لأول مرة اهتز صوتها.

لكنها تماسكت.

فتحت حقيبتها الصغيرة.

وأخرجت ظرفًا أبيض.

وضعته فوق الطاولة أمامه.

— نتيجة التحاليل اللي عملتها من أسبوعين.

نظر نادر إلى الظرف.

ثم إليها.

— تحاليل إيه؟

قالت هبة:

— التحاليل اللي كان لازم نعملها من سبع سنين… بدل ما كل دكتور كنت بتوديني له يفترض إن المشكلة عندي أنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى