
امي ست مريضة
خالد لقى نفسه فجأة بين نارين.. بيجري يغير لأمه الحفاضات بنفسه وهو قرفان ومشمئز، والريحة اللي كان بيعيرني بيها بقت لازقة في هدومه وشه، وريهام بتبصله بقرف ومصاريف شهر العسل والطلبات اللي مبتخلصش، ونزلت عليه إعلانات في يوم، كنت نازلة أوصل ولادي للمدرسة لابسة أحسن ما عندي ومبتسمة للحياة، لقيته واقف على مدخل العمارة مستنيني.. كان متبهدل، دقنه طويلة، عينيه غايرة من قلة النوم والهم، وباين عليه كبر عشر سنين في شهرين.
قرب مني بخطوات مکسورة وقال بصوت مهزوم بيكاد يتسمع
حكمت.. عشان خاطر ربنا والعيال سامحيني، أنا بضيع.. الشقة دي چحيم، وريهام رفعت عليا قضية خلع وطالبة مؤخرها، وأمي عيانة ومحدش سائل فيها.. ارجعيلي وهكتبلك كل حاجة باسمك وهكون تحت رجلك!
بصيتله من فوق لتحت بنظرة مفهاش غير شفقة باردة، مسكت إيد ولادي وابتسمت وأنا بعدي من جنبه وبقوله بكلمات قاطعة رنت في ودنه
اللي يبيع الأصيل برخيص عشان المظاهر، يدوق مرارة الندم طول عمره.. شيل شيلتك يا خالد، الخدامة ماټت، وربنا يسامحك على اللي عملته فيا وفي نفسك.
سبته ومشيت وراسي مرفوعة للسما، وأنا سامعة صوت أنفاسه المکسورة وعارفة إن عدالة ربنا نزلت عليه أسرع وأقسى مما كنت أتخيل.
مرت الأيام وخرج حكم المحكمة بطلاقي للضرر، وحكمولي بكل مليم ليا من مؤخر ونفقة متعة وعدة ونفقة شهرية للعيال متناقصش قرش، وبقى الحكم زي السيف على رقبته مبيرحمش.
وفي الناحية التانية، عيشة خالد كانت بتتهد فوق دماغه حتة حتة.. ريهام خلعت نفسها ورمتله الباقي وخرجت من حياته بعد ما شفطت اللي وراه واللي قدامه، ومبقتش تبصله حتى، واضطر البيه يبيع الفرش المودرن الغالي والعربية اللي كان بيتباهى بيهم عشان بس يسدد الديون والنفقات ومصاريف علاج أمه.
أما حماتي، فداقت الندم اللي يقطع القلب بعد فوات الأوان.. فضلت
دقايق بحجة بيوتهم ورجالتهم، ومبقاش حيلتها غير ابنها حبيبها اللي بقى يغيرلها الحفاضات بإيده كل يوم وهو دايق نفس القرف والذل اللي كان بيحاسبني عليه زمان.
أنا بقى قفلت الصفحة دي ورا ضهري للأبد.. رجعت لصحتي وضحكتي ونورت من تاني، ربيت عيالي في هدوء وعزة نفس وسط أهلي اللي صانوني، وكل ما أبص لورا أحمد ربنا على نعمته، وأتأكد إن اللي يبيع الأصيل ويظلم مبيطلعش عليه نهار إلا وحقه راجع أضعاف.
ريهام مخدتش وقت طويل عشان تدور على مصلحتها من جديد، فالنوعية دي مبتعرفش تعيش من غير منظرة وفلوس. بعد ما كسبت قضية الخلع وطلعت من جوازتها بخفي حنين ومخدتش غير اللي قدرت تجمعه في الأول، رجعت تنزل صورها وفيديوهاتها على السوشيال ميديا وهي متزوقة ومبتسمة كأن مفيش حاجة حصلت، وبتدوّر على صيد جديد يعوضها عن التجربة الفاشلة.
لكن الدايرة دارت عليها؛ اتجوزت بعد شهور من راجل أعمال خليجي كبير في السن، فاكرة إنها خلاص لقت بنك متنقل هيحقق كل أحلامها. بس الصدمة إن الراجل ده طلع مسيطر وبخيل بطريقة مرعبة، حپسها في البيت ومنع عنها الخروج والفسح، وجردها من الموبايل والسوشيال ميديا، وفوق ده كله كان عنده ولاد من جوازات سابقة عاملوها بتكبر واعتبروها غريبة طمعانة في فلوس أبوهم، وبقت عايشة في سجن دهب مفيش فيه ذرة حرية ولا راحة بال.
أما سمعتها وسط الناس فبقت معروفة بإنها ست استغلالية وخړابة بيوت، وداقت نفس اللي كانت بتمارسه بكل كبرياء، لتكتشف متأخر إن الفلوس اللي بتتبني على بيوت الناس التانية مبتجيبش غير التعاسة والذل.
كل واحد فيهم نال جزاء عمله بالتمام، وكأن القدر كتب النهاية بحساب دقيق مخرّش منه ولا مليم.
أما أنا، ففتحت مشروع صغير خاص بيا بمساعدة أخويا وأمي، بدأت أكبره خطوة بخطوة من غير ما أحتاج لحد ولا أمد إيدي لمخلوق. عيالي كبروا قدام عيني متفوقين وناجحين، يشوفوا فيا الأم والأب والسند اللي عمره ما قصر، ونظرة والامتنان في عيونهم كانت أكبر تعويض ليا عن سنين الۏجع والذل.
وفي يوم، وأنا خارجة من شغلي وراكبة عربيتي الجديدة، لمحته صدفة واقف على محطة الأتوبيس، مهدود الحيل وشعره كله شاب، ماسك في إيده كيس دوا أسود وعينيه في عيني للحظة من ورا إزاز العربية، حسيت فيها بكمية ندم تكفي بلاد، لكن النظرة دي محركتش في قلبي ساكن.. دوست بنزين وكملت طريقي وراسي مرفوعة، وأنا واثقة إن ربنا مبيضيعش حق صابر، وإن الكرامة لما بترجع لصاحبها، بتبقى دي أجمل وأعظم انتصار في الدنيا





