قصص قصيرة

جوزي سابلي صفر جنية

حضنت الورقة.
وبعدين حطيتها في درج جنب السرير.
مرت سنة.
وبعدين سنتين.
وبقيت أشوف أولادي وأحفادي بشكل مختلف.
جاريث بدأ حياة جديدة.
سدد ديونه.
ورجع يشتغل.
وفي كل مرة ييجي يزورني كان يقعد وقت طويل قدام صورة أبوه.
مرة قاللي:
— ماما بابا كان ممكن يكرهني.
قلت:
— لكنه اختار يسامحك قبل ما يموت.
قال:
— إنتي سامحتيني؟
قلت:
— بحاول.
ابتسم.
— ده كفاية.
ديلا بقت تزورني كل أسبوع.
ونيل كان بييجي مع أولاده.
بيتي الصغير بقى مليان أصوات.
أحفادي يجروا في الحديقة.
وأنا أقعد أزعق:
— بالراحة يا عيال.
وبعدين أضحك.
وفي عيد ميلادي الواحد والتسعين تجمعوا كلهم.
كان فيه كيك.
وهدايا.
وضجة.
وفي نص الاحتفال دخل كيتون.
استغربت.
قلت:
— إنت جاي ليه؟
قال:
— عندي حاجة أخيرة من هارون.
ضحكت.
— لسه؟
قال:
— دي فعلًا الأخيرة.
طلع ظرف.
فتحت.
كان فيه مفتاح.
قلت:
— إيه ده؟
قال:
— هارون طلب مني أسلمهولك في عيد ميلادك الواحد والتسعين.
سألته:
— مفتاح إيه؟
قال:
— روحي شوفي.
نيل قال:
— ماما أنا هاجي معاكي.
قلت:
— لأ.
وبعدين ضحكت.
— المرة دي هاروح لوحدي.
ركبت عربيتي.
روحت للمكان اللي مكتوب في الورقة.
كان مخزن صغير قديم.
فتحت الباب.
لقيت جواه صندوق.
فتحته.
كان فيه الجاكت القديم.
وأول صورة لينا.
وصورة لأولادنا وهم صغيرين.
وأول فاتورة شقتنا القديمة.
وتذكرة سينما من أول خروجة.
ورسايل كتبتها له زمان.
وفي الآخر ظرف.
فتحت.
“نورين
لو إنتي هنا يبقى عدى على جوازنا واحد وسبعين سنة تقريبًا.
كنت أتمنى أكون جنبك.
لكن لو أنا مش موجود يبقى افتكري إن الحياة مش بتقف عند الموت.
أنا عايزك تكملي.
اخرجي.
سافري.
اضحكي.
روحي البحر.
كلي الأيس كريم حتى لو الدكتور قالك بلاش.
وإياكي تلبسي الأسود كل يوم.
أنا عايز آخر صورة ليكي تكون وإنتي بتضحكي.
ولو أولادنا سألوكي عني قولي لهم إني كنت راجل عادي.
غلطت.
وخفت.
وخبيت.
وأحيانًا عنّدت.
لكنني أحببت أمهم أكثر من أي شيء.
والحقيقة الأخيرة؟
أنا مكنتش بخطط عشان أسيبلك فلوس.
أنا كنت بخطط عشان أسيبلك حياة.
عيشِيها.
هارون.”
قعدت على الأرض.
ضحكت وبكيت في نفس الوقت.
وبعدين قلت بصوت عالي:
— يا هارون يا مجنون.
ولأول مرة من يوم وفاته حسيت إن الحزن مش ماسكني من رقبتي.
حسيت إنه قاعد جنبي.
مش كشبح.
ولا كمعجزة.
لكن كذكرى حلوة.
رجعت البيت في آخر النهار.
كان أولادي مستنييني.
جاريث سأل:
— لقيتي إيه؟
قلت:
— لقيت أبوكم.
نيل ضحك.
— يعني إيه؟
قلت:
— لقيته في كل حاجة.
ديلا حضنتني.
وبعدين قعدنا كلنا.
حكيت لهم عن الجاكت.
وعن أول خروجة.
وعن أول شقة.
وعن الأيام اللي مكنش فيها معانا غير القليل.
وقلت لهم:
— أبوكم كان عنده فلوس كتير.
وبعدين بصيت لهم.
— لكن أهم حاجة سابها مش الفلوس.
سألني نيل:
— إيه؟
قلت:
— علمنا إن الإنسان ممكن يبني حياته من الصفر.
وبعدين بصيت لجاريث.
— وممكن يغلط.
وبصيت لديلا.
— وممكن يرفض الغلط حتى لو كان هيكسب منه.
وبصيت لنيل.
— وممكن يخاف ويختار يعمل الصح برضه.
سكتوا.
قلت:
— والفلوس تروح وتيجي.
— البيوت تتباع وتتشرى.
— الصحة بتضعف.
— والناس بتموت.
— لكن اللي يفضل هو اللي عملناه في قلوب بعض.
في الليلة دي بعد ما مشيوا دخلت أوضتي.
حطيت دبلة جوازي على الترابيزة.
وبعدين رجعتها في إيدي.
وقلت:
— تسعة وستين سنة يا هارون.
ابتسمت.
— وفي الآخر سبتلي صفر جنيه.
ضحكت.
— بس سبتلي عمر كامل.
نمت وأنا لأول مرة من شهور مش خايفة من بكرة.
وفي الصبح صحيت بدري.
لبست فستان أزرق.
عملت لنفسي شاي.
وقعدت في الحديقة.
الشمس كانت بتطلع.
والبحر قدامي.
ومدت إيدي قدامي.
الدبلة كانت بتلمع.
فضلت أبص لها.
وبعدين قلت:
— كنت عندك حق.
أنا لسه نورين.
مش أرملة هارون.
مش ست عندها تسعين سنة.
مش أم تلاتة.
مش جدة.
أنا نورين.
الست اللي عاشت تسعة وستين سنة مع راجل أحبها لدرجة إنه خطط من غير ما تعرف عشان يحميها حتى بعد موته.
والست اللي اكتشفت إن أغلى ميراث مش كان الحساب البنكي.
كان الحب.
وكانت الثقة.
وكان البيت اللي بنيناه سوا.
وكانت العيلة اللي رغم كل أخطائها لسه عيلتي.
ومن يومها كل ما حد يسألني:
“جوزك سابلك كام؟”
بضحك.
وبقول:
— في الورق؟
صفر.
وبعدين أبص لدبلة جوازي وأقول:
— لكن في الحقيقة؟
سابلي كل حاجة.
سابلي تسعة وستين سنة من الذكريات.
سابلي تلات ولاد.
وخمس أحفاد.
وبيت مليان حكايات.
وسابلي شجاعة مكنتش أعرف إنها جوايا.
وسابلي درس عمري كله:
إن بعض الناس ممكن يخفوا عنك الحقيقة لأنهم خايفين عليك.
وبعض الناس يخفوا الحقيقة عشان يسرقوك.
والفرق بينهم مش في الكلام.
الفرق بيبان وقت الاختبار.
هارون اختار يحمي.
وغيره اختار يطمع.
وأنا اخترت في النهاية إني أسامح من يستحق.
وأبعد عن اللي لا يستحق.
وأكمل حياتي.
لأن الموت أخد مني جوزي.
لكن مش من حقه ياخد مني أنا كمان.
وفي كل صباح كنت بفتح الشباك وأقول نفس الجملة:
— صباح الخير يا هارون.
ومع الوقت بطلت أعيط بعدها.
بقيت أبتسم.
لأني فهمت أخيرًا معنى كلامه في آخر ليلة.
“بس هتفضلي نورين.”
هو مكنش بيودعني بس.
كان بيرجعلي نفسي.
وكان عارف إن بعد ما يمشي هاجي يوم وأقف قدام المرآة وأسأل:
“أنا مين من غيره؟”
وكانت إجابته موجودة قبل السؤال.
أنا نورين.
وهو هارون.
واحنا عشنا تسعة وستين سنة.
وده عمر كامل.
ومهما كانت الفلوس اللي سابها كبيرة.
ومهما كانت الأرض قيمتها بالملايين.
ومهما كانت أسراره كتير.
أغلى حاجة سابهالي كانت بسيطة جدًا.
ورقة صغيرة.
وآخر سطر فيها كان:
“لو حبيتي تعرفي أنا سبتلك إيه فعلًا…
بصي في المرآة.
إنتي أعظم حاجة كنت بحاول أحافظ عليها طول عمري.”
ومن يومها وأنا كل ما أبص في المرآة أفتكر.
وأبتسم.
وأقول:
— الحمد لله يا هارون.
— إن ربنا رزقني بيك.
وبعدين أضيف وأنا بضحك:
— بس برضه كنت أناني أوي.
— سبع سنين تخبي عليا إنك غني؟
— دي لو كنت عرفت كنت هزعقلك بنفسي.
وأحيانًا كنت أتخيل صوته بيرد:
“عشان كده مخبي.”
وأضحك لوحدي.
وفي آخر كل يوم قبل ما أنام كنت أحط إيدي على الدبلة وأغمض عيني.
مكنتش بطلب يرجع.
كنت بطلب بس ربنا يرحمه.
ويجمعنا في مكان مفيهوش مرض.
ولا خوف.
ولا أسرار.
ولا فراق.
لأن الدنيا مهما طالت.
ومهما اتغيرت.
ومهما أخدت مننا.
الحب الحقيقي بيفضل شاهد على كل حاجة.
وأنا كان عندي شاهد عمره تسعة وستين سنة.
اسمه هارون.
وكانت نهايتنا في الورق صفر جنيه.
لكن في قلبي؟
كنت أغنى ست في الدنيا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى