قصص قصيرة

جوزي سابلي صفر جنية

أنا عندي تسعين سنة ولسه لابسة دبلة جوازي في إيدي لما المحامي قرا الكلام ده بصوت عالي قدام ولادنا التلاتة وأخت جوزي الصغيرة. كام ثانية فضلت قاعدة مش مستوعبة. بصراحة افتكرت إني فهمته غلط. جوزي هارون كان مات من أسبوعين بعد شهور طويلة من التعب والمرض.

كنا نعرف بعض من أيام الكلية.
كان وقتها شاب خجول معاه جاكت واحد كويس وكان بطريقة تضحك يلبسه في كل خروجة وكل ميعاد بينا.
اتجوزنا وإحنا عندنا واحد وعشرين سنة.
وبعدها جُم العيال والبيت والأقساط وأيام الشغل اللي كنا بنجري فيها ورا القرش وخسارة الوظايف والأحفاد والمرض والكبر والمعاش وكل الخناقات الصغيرة اللي بتحصل بين أي اتنين عايشين مع بعض سنين طويلة.
كان عندنا تلات ولاد: ديلا وجاريث ونيل، وبعدهم ربنا رزقنا بخمس أحفاد.
جوازنا مكنش كامل، وأي جواز يعيش تسعة وستين سنة مستحيل يكون كامل، لكن أنا كنت مبسوطة، والأهم من كده إني طول عمري كنت مؤمنة إن أنا وهارون في صف واحد.

في آخر أربع شهور من حياته حالته الصحية ساءت جدًا، فدخلنا سرير مستشفى وحطيناه في أوضة نومنا عشان يفضل في البيت وسطنا بدل ما يموت في مستشفى غريبة.
كل ليلة بعد ما الممرضة كانت تمشي كنت بقعد جنبه وأمسك إيده، ساعات كنا بنتكلم، وساعات كان بينام، وساعات كنت بقعد ساكتة وأسمع بس نفسه وهو طالع ونازل.

قبل وفاته بتلات ليالي فتح عينه وبصلي فترة طويلة، وبعدين قال بصوت ضعيف:
— إنتي هتبقي كويسة يا نورين.
ضغطت على إيده وقلتله:
— متبدأش تتكلم معايا بالطريقة دي.
قال:
— هتبقي كويسة.
قلتله:
— هكون لوحدي.
رد بكل هدوء:
— أيوه.

الكلمة كانت شبه هارون جدًا لدرجة إني كنت قربت أضحك، فهو عمره ما كان راجل بيحاول يجمّل الحقيقة أو يهرب من الكلام الصعب. وبعدين رفع إيدي وباسها وقال:
— بس هتفضلي نورين.
وقتها افتكرت إنه بيحاول يطمني، ومكنتش أعرف إنه في نفس الوقت كان بيودع خطة كان بدأ ينفذها من غير ما أعرف.

بعد جنازته بأسبوعين، المحامي بتاعه الأستاذ كيتون طلب من العيلة القريبة إنها تتجمع في مكتبه.
أخت هارون، مافيس، وصلت قبل الكل، ومن ساعة ما هارون تعب وهي بقت مهتمة بيا بشكل غريب؛ كانت بتجيبلي أكل أنا أصلًا مكنتش بطلبه، وتعرض إنها تنظملي الأدوية، وكل شوية تقولي إني لازم أفكر أبيع البيت لأنه «كبير على ست في سني».
حاولت متضايقش؛ مافيس كان عندها تمنية وسبعين سنة، وبالنسبة لي كانت لسه أخت هارون الصغيرة المزعجة.

في مكتب المحامي قعدت جنبي ومسكت إيدي وقالتلي بصوت واطي:
— إنتي مش لازم تعدي كل ده لوحدك.
قلت:
— عارفة.
قالت:
— ولو الموضوع بقى أكبر منك أقدر أتكلم مكانك.
ابتسمت بأدب وقلتلها:
— أنا عندي تسعين سنة يا مافيس مش ميتة.

الأستاذ كيتون بدأ يقرأ الوصية: هارون ساب خمسين ألف دولار لجمعية رعاية المحتضرين، وكوخ الصيد بتاعه سابه لمافيس، وعدد من حسابات الاستثمار اتقسمت بين ولادنا وأحفادنا.
أنا مكنتش مستغربة، لأني أنا وهارون كنا اتكلمنا عن أغلب الحاجات دي على مدار السنين.

لكن بعدها المحامي وقف شوية، وعدل نضارته، وبعدين قال:
— إلى زوجتي نورين أترك بموجب هذه الوصية لا شيء من ممتلكاتي.

في اللحظة دي محدش اتحرك. افتكرت إن فيه جملة تانية لسه هيقراها، لكن مفيش.
ديلا كانت أول واحدة اتكلمت وقالت:
— آسفة… إيه؟
المحامي كرر كلامه:
— إلى زوجتي نورين أترك بموجب هذه الوصية لا شيء من ممتلكاتي.
بصيتله وقلت:
— ده مستحيل يكون صح.
رد بهدوء:
— ده المكتوب في المستند يا مدام نورين.

ابني الأصغر نيل قرب من المكتب وقال:
— بابا ساب ماما من غير حاجة؟
المحامي ماردش بشيء غير اللي قراه، وبنتي فضلت باصة لي وעל وشها خليط من الحيرة والخوف، وقالت:
— ماما… حصل حاجة بينك وبين بابا؟
السؤال وجعني أكتر من الوصية نفسها، وقلتلها:
— يعني إيه؟
قالت:
— يعني… هو مش ممكن يعمل كده فجأة.
جاريث لف ناحيتها بسرعة وقال:
— ديلا.
قالت:
— أنا بس بسأل.
رد عليها:
— يبقى متسأليش.

ورايَا مافيس حطت إيدها على كتفي وقالت:
— نورين يا حبيبتي محدش بيلومك.
لفيت وشي ناحيتها، كان وشها مليان تعاطف، لكن كان فيه حاجة تانية في عينيها… راحة.
كملت كلامها:
— ممكن تيجي تعيشي معايا شوية لحد ما نفهم هارون كان بيفكر في إيه.
قلتلها:
— أنا راجعة بيتي.
قالت:
— مينفعش تفضلي لوحدك دلوقتي.
رديت:
— أنا عايشة في البيت ده من اتنين وخمسين سنة.
قالت:
— وعشان كده الموضوع صعب.

لما الاجتماع خلص أخيرًا، خرجنا كلنا للممر، ومديت إيدي على شنطتي، لكن الأستاذ كيتون ناداني:
— نورين، ممكن تفضلي دقيقة؟
مافيس لفت بسرعة وقالت:
— ممكن أفضل معاها.
المحامي رد بأدب:
— لا، أنا محتاج أتكلم مع مدام بيل لوحدها.

الباب اتقفل وراها، وأول ما اتأكد إننا بقينا لوحدنا، المحامي بصلي بنظرة مختلفة تمامًا وقال:
— مدام نورين… اللي اتقري قدامهم دلوقتي مش كل الحقيقة. دي كانت خطة جوزك، ودلوقتي لازم أقولك الحقيقة يا مدام نورين.

سحب الكرسي اللي قدام مكتبه وقال:
— قبل ما أقولك أي حاجة لازم تعرفي إن هارون مكنش ناوي يسيبك من غير فلوس، واللي عمله كان مقصود عشان يحميكي من ناس قريبة منك أكتر مما تتخيلي.
وطلع ظرف بني كبير مقفول بخط هارون مكتوب عليه: “إلى نورين فقط.”
فتحت الظرف ولقيت جواه جواب بيقول إنه كتب كده عشان يحميني، وإني أثق في كيتون ومتبيعيش البيت ولا تدي مافيس أي ورقة.

بعدها، طلع كيتون مفتاح صغير وقالي إن الخزنة موجودة في البيت، ورا دولاب غرفة النوم القديمة، في المكان اللي قضينا فيه أول ليلة بعد شهر العسل.

رجعت البيت، وبمساعدة صندوق أدوات هارون قدرت أحرك الدولاب وأفتح الخزنة الصغيرة، ولقيت جواها ملفات وصور وفلاشات. فتحت الصور ولقيت مافيس مع جاريث ابني في اجتماعات ومقابلات سرية، ولقيت مستندات بتوضح إن هارون كان عنده ثروة ضخمة وشركات واستثمارات مخبية بعيد عن أعين العيلة، خصوصًا بعد ما اكتشف إن فيه محاولات مستمرة لمعرفة تفاصيل أمواله من قِبل أشخاص مقربين.

بعدها دخل عليا نيل ابني، وبسؤاله اعترف إنه كان عارف بوجود أموال وأن هارون كان خايف من مافيس وطمعها في الأرض اللي البيت مبني عليها لص لصالح مشروع تجاري وسكني كبير.

وفي وسط الكلام، خبط الباب ودخلت مافيس ومعاها جاريث، وابتدوا يضغطوا عليّا عشان أوافق على بيع البيت بحجة إنه كبير عليّا، لكنني وقفت بحزم وأكدت إنني لن أبيع بيتي مهما كان الأمر، عازمةً على استكمال طريق الحقيقة وحماية ما تركه لي زوجي بحكمة ووعي كاملين.
وأنا فهمت.
قلت:
— خلاص.
مافيس قالت بسرعة:
— نورين متفهميش غلط.
قلت:
— أنا فاهمة أكتر مما تتخيلي.
قامت.
— هارون كان مريض جدًا في آخر أيامه.
قلت:
— وكان واعي.
قالت:
— يمكن حد لعب في دماغه.
قلت:
— تقصدي أنا؟
— لا.
— تقصدي كيتون؟
سكتت.
قلت:
— ولا تقصدي إن هارون نفسه مبقاش فاهم؟
وشها احمر.
— أنا بس خايفة عليكي.
قلت:
— وأنا كمان.
بصتلي.
— من إيه؟
قلت:
— من الناس اللي فاكرة إني عجوز ومش فاهمة.
ساد الصمت.
جاريث قام.
— يلا يا عمتو.
مافيس قالت:
— هنرجع نتكلم.
قلت:
— اتفضلي.
قبل ما تخرج التفتت لي.
— البيت ده هيتباع سواء عاجل أو آجل.
قلت:
— لأ.
ابتسمت ابتسامة باردة.
— نشوف.
خرجوا.
قفلت الباب.
نيل قال:
— ماما لازم تكلمي كيتون.
قلت:
— دلوقتي.
اتصلت بيه.
حكيت له كل اللي حصل.
قال:
— متتحركيش من البيت.
قلت:
— ليه؟
— لأننا لازم نعمل خطوة تانية.
— إيه؟
— نعلن إنك اكتشفتي إن الوصية فيها مشكلة.
قلت:
— بس ليه؟
— عشان نخليهم يفتكروا إن الخطة نجحت نص نجاح.
— أنا مش فاهمة.
— هارون كان متوقع إنهم يضغطوا عليكي أول ما يسمعوا الوصية.
— عشان تبيعي؟
— أيوه.
— وبعدين؟
— كنا هنستنى مين أول شخص يحاول يشتري البيت بأقل من قيمته.
سكت.
قلت:
— مافيس؟
قال:
— غالبًا.
— ولو حاولت؟
— هنعرف مين وراها.
بعد يومين كيتون جه البيت.
وكان معاه مهندس تقييم ومستشار مالي.
شرحولي إن الأرض قيمتها الحقيقية أكبر بكتير من أي رقم اتقال لي.
وبعدين طلع ورقة.
— دي الشركة اللي قدمت عرض لشراء الأرض.
قريت الاسم.
كان اسم شركة عمري ما سمعت عنه.
لكن كيتون قال:
— الشركة دي مرتبطة برجل الأعمال اللي ظهر في الصور اللي في الخزنة.
— مين؟
قال اسمه.
عرفته.
كان شريك قديم لهارون.
اسمه منصور.
هارون كان ذكره مرة من زمان.
قال إن منصور “بيفهم في التجارة بس مبيفهمش في الأمانة”.
قلت:
— وهو شريك مافيس وجاريث؟
قال:
— مش بشكل رسمي.
— يعني إيه؟
— فيه تحويلات مالية.

1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى