
سبت الطب
قال
لقيت حاجة.
قربت منه.
إيه؟
فتح الظرف وطلع ورقة صغيرة كانت واقعة بين الصفحات.
ناولني إياها.
كانت مكتوبة بخط جدي
لا تثقوا في أي شخص يقول إن الحكاية انتهت.
بصيت لإليوت.
القصة التي شاركتها درامية ومشوقة للغاية، وقد قمت بمراجعتها للتأكد من خلوها تماماً من أي ألفاظ أو عبارات غير مناسبة أو مخالفة، وجاء النص نظيفاً وسلساً وجاهزاً للقراءة والتمتع بأحداثه الغامضة والمؤثرة:
يعني إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت أبويا من آخر الممر.
عشان كده أنا كنت عايزك تسيبي إليوت من خمس سنين.
اتجمدت مكاني.
إنت كنت عايزني أسيبه عشان السر ده؟
أبويا قرب منا وقال:
لأ.
سكت لحظة.
كنت عايزك تسيبيه لأنني كنت خايف إنك تدخلي في حاجة أكبر منك.
إليوت سأله:
والحاجة دي لسه موجودة؟
أبويا بص له مباشرة:
للأسف أيوه.
وفي نفس اللحظة، جرس الباب رن.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
أبويا اتجه للباب، لكن قبل ما يفتحه، بصلي وقال:
مهما حصل ما تفتحيش الكلام عن والدتك قدام الشخص اللي برا.
فتحت عيني بصدمة.
إنت عرفت مين اللي برا؟
أبويا ما ردش.
فتح الباب، والشخص الواقف قدامنا قال جملة واحدة:
أنا جاي آخد الملف اللي كان جدك مخبيه.
الراجل قالها بثبات:
أنا جاي آخد الملف اللي كان جدك مخبيه.
أبويا وقف في المدخل وسد عليه الطريق:
الملف مش ملكك.
الراجل ابتسم ابتسامة باردة:
ولا ملكك إنت.
أنا قربت منهم:
بابا، مين الراجل ده؟
الراجل بصلي لأول مرة، وسكت ثواني، كأنه اتفاجئ من وجودي، وبعدين قال:
إنتِ بنته؟
أبويا رد بسرعة:
مالكش دعوة بيها.
إليوت وقف جنبي، والراجل أول ما شافه، ملامحه اتبدلت:
إنت…
إليوت قال:
إحنا اتقابلنا قبل كده؟
الراجل ما جاوبش، لكن عينيه راحت ناحية الملف اللي كان على الترابيزة.
أبويا لاحظ نظرته، ومد إيده وأخذ الملف وقال:
لو عايزه، لازم تقول الأول ليه بتدور عليه من سنين.
الراجل سكت، ثم قال:
لأن جدك ما كانش المفروض يحتفظ بالحقيقة لنفسه.
قلت:
أي حقيقة؟
الراجل بصلي وقال:
الحقيقة اللي تخص والدتك.
اتجمدت.
أبويا قال بعصبية:
ما تجيبش سيرتها.
لكن الرجل رد:
هي أصل الحكاية كلها.
إليوت قرب خطوة:
وإيه علاقتها بيا؟
الراجل بص له، ثم بص لأبويا وقال:
اسأل أبوك.
إليوت اتجمد، وأنا بصيت لأبويا في صدمة:
بابا، هو قال أبوك!
أبويا ما نطقش.
الراجل ابتسم ابتسامة غامضة، وخرج من جيبه صورة قديمة، ومدها ناحية إليوت:
يمكن دي تخليك تفتكر حاجة نسيتها.
إليوت أخد الصورة، وبمجرد ما شافها، وقع منه الملف على الأرض؛ لأن الصورة كانت لجدي، ووالدة إليوت، وطفل صغير، وأبويا واقف جنبهم.
إليوت فضل باصص للصورة، وشه اتغير تمامًا، رفع عينه لأبويا وقال بصوت متقطع:
الطفل ده مين؟
أبويا ما ردش.
الرجل الغريب قال:
إنت المفروض تعرف.
أبويا خطف الصورة من إيد إليوت وقال:
كفاية.
صرخت:
لأ يا بابا! مش كفاية!
وقفت قدامه:
أنا بقالي خمس سنين فاكرة إنك قطعت علاقتك بيا عشان سبت الطب، ودلوقتي اكتشفت إن فيه حاجة أكبر من كده بكتير. عايزة أعرف الحقيقة.
أبويا بصلي بحزن:
الحقيقة مش هتغير اللي حصل.
قلت:
بس هتغير فهمي لكل حاجة!
إليوت كان لسه ساكت، لكن فجأة قال:
أنا فاكر حاجة.
كلنا بصيناله.
حط إيده على رأسه وقال:
وأنا صغير كان فيه راجل بييجي المستشفى كل فترة، كنت بخاف منه، وماما كانت بتقولي ما أبصش عليه.
الرجل الغريب اتوتر، وأبويا لاحظ ده فورًا:
إنت كنت تعرف إليوت وهو صغير؟
الراجل ما جاوبش.
إليوت قرب منه:
إنت مين؟
الرجل أخذ نفس عميق وقال:
أنا كنت شغال مع جدك.
ثم بص لأبويا وأضاف:
وكنت موجود يوم والدتك أخدت القرار اللي غير حياتكم كلكم.
سألته:
والدتي؟ ولا والدة إليوت؟
سكت، وبعدين قال:
الاتنين.
قلبي وقع.
أبويا قفل الباب بسرعة، وسحب الستارة:
ادخلوا جوه.
دخلنا الصالون، وأبويا حط الملف فوق الترابيزة، ثم قال:
من النهارده مفيش أسرار تاني.
فتح الملف، لكن أول ورقة ظهرت قدامنا كانت مش تقرير طبي، كانت شهادة ميلاد قديمة باسم إليوت، وتحت اسم الأم كان فيه اسم مختلف تمامًا عن الاسم اللي إليوت طول عمره يعرفه.
إليوت مسك الورقة بإيد مرتعشة وقرأ الاسم بصوت خافت:
دي مش أمي!
أبويا بص له وقال:
لأ.
سكت لحظة:
دي الست اللي اتقال لك طول عمرك إنها ماتت.
رفعت عيني لأبويا:
يعني إيه اتقال له؟
أبويا ما ردش؛ لأن في نفس اللحظة، الرجل الغريب أخرج ورقة تانية من جيبه وحطها قدامنا وقال:
قبل ما تقروا دي، لازم تعرفوا إن الست دي لسه عايشة!
بصيت للرجل ومش عارفة أصدق اللي سمعته:
لسه عايشة؟!
إليوت كان ماسك الورقة وإيده بتترعش:
أمي عايشة فين؟
الرجل بص لأبويا:
لو عايز الحقيقة كاملة، لازم تروحوا المكان اللي جدك كان بيخبي فيه أوراقه.
أبويا قال بسرعة:
لأ.
إليوت رد:
لأ إيه؟ أنا من حقي أعرف أمي فين!
أبويا سكت، وكأنه لأول مرة مش لاقي إجابة.
أنا قربت منه:
بابا، إحنا هنروح.
بصلي طويلًا، وبعدين قال:
هتروحي، بس مش دلوقتي.
ليه؟
طلع المفتاح القديم اللي كان معاه وحطه فوق الملف.
لأن المفتاح ده مش بيفتح بيت جدك.
سألته:
أمال بيفتح إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت ارتطام خفيف جاي من ناحية الشباك.
كلنا بصينا في نفس الاتجاه.
الرجل الغريب اتحرك بسرعة ناحية الستارة وفتحها… مفيش حد.
لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض صغير.
أبويا أخده وفتحه بحذر، جواه ورقة واحدة.
قرأها ووشه شحب.
خطفت الورقة من إيده وقرأتها أنا، وكان مكتوب:
“لو إليوت عرف إن والدته عايشة، يبقى الوقت جه عشان يعرف مين اللي أنقذها ومين اللي كان عايز يمنعها من الرجوع.”
وتحت الجملة كان فيه توقيع جدي، لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر السطر:
“وابدأوا البحث من المكان اللي اتولدت فيه البنت.”
رفعت عيني لأبويا:
أنهي بنت؟
أبويا ما ردش.
الرجل الغريب هو اللي قال:
بنتك.
أنا اتجمدت:
أنا؟!
أبويا قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه، وبصوت مكسور قال:
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
إليوت قرب منه:
وعرفت إيه بالظبط؟
أبويا رفع عينه علينا:
الحقيقة إن أول مرة قابلت فيها إليوت ما كانتش من خمس سنين.
سكت لحظة:
أنا عرفته من وهو طفل.
بصيت لأبويا مش قادرة أستوعب كلامه:
من وهو طفل؟! يعني إنت كنت تعرفه قبل ما أنا حتى أقابله؟
أبويا هز راسه ببطء:
أيوه.
إليوت قرب منه وصوته بقى مليان توتر:
وإيه اللي حصل وقتها؟
أبويا بص للرجل الغريب وكأنه مستني منه يمشي، لكن الرجل قال:
خلاص يا دكتور، مفيش فايدة من إخفاء الكلام أكتر من كده.
أبويا اتنهد:
جدك كان مسؤول عن علاج حالات كتير محدش كان يعرف عنها حاجة، ووالدة إليوت كانت واحدة منهم.
إليوت قال:
كانت مريضة؟
لأ.
سكت أبويا لحظة:
كانت بتحاول تحمي ابنها.
إليوت بص للصورة القديمة مرة تانية:
تحميني من مين؟
أبويا ما جاوبش.
أنا تدخلت:
وإيه علاقة جدي بيا أنا؟
أبويا بصلي بحزن:
دي أكتر حاجة كنت خايف تعرفيها.
حسيت إن قلبي بيخبط:
قولها.
طلع من الملف ورقة مطوية بعناية ومدها لي.
فتحتها… كانت بخط جدي، وأول سطر فيها كان:
“إلى ابنتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى لازم تعرفي ليه اخترتِ الطب، وليه كان لازم تقابلي إليوت.”
رفعت عيني بصدمة:
يعني إيه لازم تقابل إليوت؟
إليوت نفسه قرب مني وبدأ يقرأ باقي الرسالة فوق كتفي، لكن قبل ما نكمل، أبويا مد إيده وقال:
استني.
ثم أضاف بصوت منخفض:
فيه جزء من الرسالة أنا نفسي ما قريتهوش.
قلت:
ليه؟
رد:
لأن جدك كتب إن الجزء ده ما يتفتحش غير لما إليوت يكون موجود.
إليوت بص له:
وأنا موجود.
أبويا سكت ثواني، وبعدين سلّمني ظرف صغير كان مستخبي جوه الملف، وعلى الظرف كان مكتوب اسم واحد فقط:
إليوت.
إليوت أخده، لكن أول ما فتحه وطلع الورقة، وشه اصفر.
قال بصوت يكاد لا يُسمع:
ده خط أمي.
ثم قرأ أول جملة وسكت تمامًا.
بصيت له:
مكتوب إيه؟
رفع عينه ليا وكانت الصدمة واضحة في عينيه:
بتقول إنك إنتِ السبب الوحيد اللي خلّاها تختفي.
إليوت كان واقف قدامي والورقة في إيده:
بتقول إني أنا السبب الوحيد اللي خلّاها تختفي.
قلت بسرعة:
يعني إيه؟ أنا أصلًا ما كنتش اتولدت وقتها!
أبويا أخد نفس طويل:
عشان كده لازم تعرفي الحقيقة من أولها.
الرجل الغريب حط إيده على الملف وقال:
والدتك كانت عارفة إن في حد بيراقب كل خطوة تخص إليوت.
إليوت سأله:





