قصص قصيرة

بعد ان دفنت طفلي – محمد نور

— قلتُ استدعوا لها طبيباً!

بعد خروجها، جلس طارق على طرف السرير وقال:
— هل كل هذا بسبب ما حدث لـ “زيد”؟

شعرتُ ببرودة تسري في أوصالي. لم ينطق باسم طفلنا منذ يوم جنازته.

خفض طارق صوته:

— أعلم أن “وفاء” ارتكبت خطأً في ذلك اليوم، وقد نالت جزاءها العسكري.

“خطأ”… هكذا يصف القرار الذي أودى بحياة طفلنا ذي السنوات الست!

حاول طارق الإمساك بيدي:

— يمكننا أن نبدأ من جديد، ما زلنا في مقتبل العمر، ويمكننا أن ننجب طفلاً آخر.

سحبتُ يدي ببطء.

حينها فقط أدركتُ أن بعض البشر يظنون أن الطفل الراحل مجرد شيء مكسور يمكن استبداله بآخر!

في تلك اللحظة، ظهرت عكازتان عند الباب.

كانت “وفاء”.

باهتة الوجه، واهية الجسد، والدموع على وجنتيها.

— “سارة”…

حاولت التقدم بضع خطوات فسقطت.

وبدافع عاطفي بحت، قفز طارق من مكانه والتقطها قبل أن تمس الأرض.

تعلقت “وفاء” بعنقه وهي تبكي:

— أردتُ فقط أن أعتذر منها… لم أكن أتوقع أن ينتهي الأمر بـ “زيد” بين أيدي أولئك الأشرار…

نظرت إليّ وهي بين ذراعيه.

ربما كان طارق ينتظر مني نوبة غضب، لكنني اكتفيتُ بإغلاق الكتاب الذي بيدي وقلتُ بجمود:

— “طارق”، خذها إلى غرفتها.

تردد لحظة، ثم حملها وغادر وهو يعدني بالعودة خلال عشر دقائق.

ولم يعد.

في تمام الساعة 11:47 ليلاً، وردني اتصال مشفر.

— الرائد “سارة”، قيادة الاستخبارات تنتظر منكِ الرد النهائي بشأن “عملية السراب”.

اعتدلتُ في جلستي:

— أنا موافقة.

— عليكِ إدراك الشروط جيداً: هوية جديدة، موقع سري للغاية، اغتراب لمدة عشر سنوات، وانقطاع تام عن أقربائك.

نظرتُ إلى الباب الفارغ وقلتُ:

— لن يشكل ذلك أي مشكلة.

— وماذا عن زوجكِ؟

— خلال ستة أيام سيصبح طلاقنا رسمياً.

ساد الصمت عبر الخط، ثم قال المتحدث:

— يا سيادة الرائد، الجميع يعلم مدى حبكِ للعقيد “طارق”…

أخرجتُ صورة “زيد” المخبأة في محفظتي ونظرتُ إليها:

— المرأة التي كانت تحبه… ماتت في اليوم نفسه الذي مات فيه طفلي.

في تلك اللحظة، سمعتُ حركة عند الباب.

انفتح الباب ليظهر “طارق” واقفاً هناك كالصنم، وقد امتقع وجهه وغاب عنه كل لون.

— ماذا قلتِ للتو؟

وضعتُ الهاتف جانباً بتمهل.

خطا طارق إلى الداخل وأغلق الباب خلفه:

— “سارة”… عن أي طلاق تتحدثين؟

وللمرة الأولى منذ ثماني سنوات…

رأيتُ الخوف الشديد يرتسم في عينيه.

الجزء الثاني والأخير

ظل “طارق” واقفاً عند الباب كأنه تلقى رصاصة في منتصف الغرفة.

كنتُ أعرف كل تعابير وجهه؛ أتقنتُ قراءتها خلال سنوات زواجنا الثماني: التوتر الخفيف في فكه حين يغضب، الحركة الخفيفة لحاجبيه عند المفاجأة، وضم ذراعيه حين يريد إغلاق النقاش دون الاعتراف بالهروب.

لكنني في تلك الليلة رأيتُ شيئاً مختلفاً: خوفاً حقيقياً.

— أي طلاق؟ — كررها بصوت خفيض للغاية لا يشبه الصوت الذي يصدر به الأوامر لمئات الجنود.

خبأتُ الهاتف وقلتُ ببرود:

— طلاقنا.

خطا خطوتين نحوي:

— نحن لم نتحدث عن الطلاق!

— بالضبط، لأنني أنا من قررتُ بمفردي.

كان طارق معتاداً على اتخاذ القرارات: أين نعيش، أي قاعدة عسكرية ننتقل إليها، متى نأخذ عطلة، وما هي المشاكل التي تستحق النقاش وما نعتبره “دراما لا داعي لها”. حتى مشاعري، كان يحدد أيها منطقي وأيها مبالغ فيه. لم يخطر بباله يوماً أنني قد أتخذ قراراً لا يحتاج لموافقته.

— متى قدمتِ الأوراق؟

— منذ ثلاثة أشهر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى