
بقيت الوصية
الفصل الجديد — الرسالة اللي اتأخرت 21 سنة
عدّى تقريبًا شهر على عيد ميلادي السابع والسبعين.
الحياة هديت.
سلمى كانت بدأت شغلها الجديد، وليلى كانت بتحضر لدراساتها العليا، وأنا بقيت أقضي أغلب وقتي في الجنينة الصغيرة اللي زرعنا فيها الياسمين.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتنا عدت.
لكن في يوم، وأنا قاعدة بشرب الشاي، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت راجل كبير في السن، ماسك شنطة جلد قديمة.
قال:
— حضرتك والدة المرحوم أحمد؟
أول ما سمعت اسم ابني، قلبي اتقبض.
قلت:
— أيوه.
قال:
— أنا كنت محاميه من سنين.
دعيت الراجل يدخل.
وقعد قدامي.
فضل ساكت شوية، وبعدين فتح الشنطة.
طلع منها ظرف كبير، عليه اسم ابني بخط إيده.
قال:
— ابنك سلّمني الظرف ده قبل وفاته بأيام.
اتجمدت.
— قبل وفاته؟
هز راسه.
— وقال لي مايتفتحش إلا في حالة واحدة.
— إيه هي؟
بص لي وقال:
— لما بنتيه يوصلوا سن واحد وعشرين.
حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
البنتين كان فاضل على عيد ميلادهم الواحد وعشرين أقل من أسبوعين.
قلت له:
— طب ليه جيت دلوقتي؟
قال:
— لأن فيه تطور حصل في ملكية الأرض القديمة، وخفت إن الموضوع يبدأ قبل موعد فتح الظرف.
وفي اللحظة دي دخلت سلمى وليلى البيت.
أول ما شافوا الظرف…
وشوشهم اتغيرت.
قالت ليلى:
— ده خط بابا.
المحامي هز راسه.
— فعلًا.
سلمى مدت إيدها ناحية الظرف.
لكن الراجل مسكه وقال:
— لسه.
قالت بعصبية:
— ليه؟
— لأن أبوكم كتب تعليمات واضحة.
طلع ورقة منفصلة.
قرأ:
— «لا يُفتح الظرف إلا بحضور بنتيّ ووالدتي… وإذا كانت والدته على قيد الحياة، تُقرأ الرسالة أمامها أولًا.»
بصيت للبنتين.
إحساس غريب دخل قلبي.
ابني كان عارف إنه ممكن يحصل له حاجة؟
ولا كان مجرد احتياط؟
المحامي كمل:
— وفي شرط تاني.
سلمى قالت:
— إيه؟
رد:
— لازم والدتكم البيولوجية تكون على علم بفتح الظرف.
وقفنا كلنا.
ليلى قالت:
— ماما؟
— أيوه.
— وليه؟
المحامي حط الظرف قدامنا.
وقال جملة خلتنا نسكت:
— غالبًا… لأن اللي جوه الظرف ليه علاقة بيها.
بعد حوالي ساعة، كلمناها.
المكالمة كانت قصيرة.
ليلى قالت لها:
— بابا سايب رسالة، وهتتفتح كمان أسبوعين.
سكتت أمهم.
سكتت بطريقة خوفتني.
ثم قالت:
— مين قالكم؟
سلمى ردت:
— محاميه.
جالها نفس طويل.
وبعدين قالت بسرعة:
— ما تفتحوش أي حاجة.
ليلى سألت:
— ليه؟
— لأن أبوكم كان تعبان نفسيًا آخر فترة، وأي كلام كتبه وقتها ممكن يكون ظلم.
بصينا لبعض.
سلمى قالت:
— غريبة.
— إيه؟
— من يومين كنتِ بتقولي إن أبويا كان بخيل ومش عارف يشيل مسؤولية.
وسكتت ثانية.
— دلوقتي بقى كان تعبان نفسيًا؟
الأم قفلت المكالمة.
ساعتها عرفت…
إن الرسالة دي فيها حاجة هي خايفة منها.
مر الأسبوعين ببطء.
وفي يوم عيد ميلاد البنتين الواحد وعشرين، اتجمعنا في مكتب المحامي.
أنا.
سلمى.
ليلى.
وأمهم.
أمهم دخلت بوش شاحب.
ماقالتش حتى كل سنة وإنتوا طيبين.
كل تركيزها كان على الظرف.
المحامي فتحه.
— وأنا صدقته.
قلت:
— لا تحطي ذنبك على حد.
نزلت عينها.
— عارفة.
سلمى قالت:
— طب ليه رجعتي دلوقتي؟
الأم سكتت.
ليلى قالت:
— لسه فيه حاجة مستخبية؟
المحامي تدخل:
— غالبًا آه.
طلع ورقة تانية.
وقال:
— لأن الحساب الاستثماري ماكانش المفاجأة الوحيدة.
بص للبنتين.
— والدكم كان مؤمن على حياته بمبلغ كبير، والمستفيدين الأساسيين كانوا أنتم الاتنين.
سلمى سألت:
— والمبلغ راح فين؟
المحامي رد:
— جزء منه اتحجز بسبب نزاع قديم… والملف اتفتح تاني من شهرين.
ليلى همست:
— عشان كده رجعت؟
أمهم بدأت تبكي.
لأول مرة، بجد.
وقالت:
— جوزي قال لي لو قدرت أقنعكم تمضوا على تنازل، هنقدر نقفل الموضوع.
سلمى ضحكت بوجع.
— يعني حتى رجوعك لينا كان مهمة.
الأم قالت:
— في الأول… أيوه.
ليلى سألت:
— وفي الآخر؟
سكتت الأم.
وبعدين بصت لهم.
— لما شفتكم… ندمت.
سلمى ردت فورًا:
— الندم مش بيمسح عشرين سنة.
الأم هزت راسها.
— عارفة.
ليلى قالت:
— ولا بيمسح إنك رجعتي بورق تتنازلي بيه عن حقنا.
أمهم ما ردتش.
المحامي قفل الملف.
— دلوقتي عندكم اختيارين. يا إما تسيبوا الموضوع كله للمحاكم والمحاسبين، يا إما تدخلوا تسوية قانونية.
سلمى وليلى بصوا لبعض.
وبعدين سلمى قالت:
— مفيش تنازل.
ليلى كملت:
— ومفيش صفقة.
سلمى بصت لأمها مباشرة.
— ومفيش علاقة بيننا تبدأ بكذبة تانية.
الأم مسحت دموعها.
وقالت:
— يعني انتهى كل شيء؟
ليلى ردت بهدوء:
— لأ.
سكتت لحظة.
— انتهت الطريقة القديمة بس.
وبعدين قربت منها وقالت:
— لو عايزة تعرفينا من غير فلوس، من غير صور، من غير جوزك، ومن غير مصالح…
سلمى كملت:
— ابعتي لنا رسالة واحدة صادقة.
ومشينا.
وأنا طالعة من المكتب، المحامي ناداني.
— مدام…
لفيت.
ناولني ظرف صغير.
— ده ليكي إنتِ.
قلبي دق.
— من مين؟
قال:
— من ابنك.
بصيت للظرف.
كان مكتوب عليه:
«لأمي… لو هي فعلًا اللي ربت بناتي.»
إيدي بدأت ترتعش.
وكنت عارفة إن الرسالة دي…
يمكن تكون أصعب من كل اللي فات.





