
بنتي اللي كان عندها ١٨ سنة
كل يوم بحط إيدي على بطني وأحكيله عنك.
بقوله إن أبوه كان بيضحكني لما أكون زعلانة، وإنه كان نفسه يعلمه يلعب كورة.
أنا مش هربيه على إنه يكرهك.
حتى لو إنت فعلًا اخترت تمشي.
بس عندي طلب واحد…
لو الرسالة دي وصلتلك يومًا…
دور عليه.
وخليه يعرف إن وجوده عمره ما كان غلطة.»
وقفت عن القراءة.
ما قدرتش أكمل.
يوسف أخذ الورقة من إيدي.
كانت دموعه بتنزل في صمت.
لكن فجأة…
حفيدي قال:
— كمّل.
يوسف بصله.
الولد كرر:
— عايز أعرف ماما قالت إيه.
يوسف مسح دموعه وكمل:
«ولو حصل لي حاجة وأنا بولد…
أمي هتكون معاه.
أنا عارفة إنها هتحبه أكتر من نفسها.
متاخدوش منها.
متدخلش حياتهم فجأة وتفتكر إنك تقدر تعوض السنين في يوم.
خليك صبور.
ولو ابني في يوم حب يعرفك…
خليه هو اللي يختار.»
يوسف وقف عن القراءة.
بصلي وقال:
— حتى وهي خايفة تموت… كانت بتفكر في حضرتك.
حضنت الورقة على صدري.
وقلت:
— كانت عارفة إني مستحيل أسيبه.
لكن كان عندي سؤال واحد.
بصيت لنادية.
— الجوابات دي كانت فين عشر سنين؟
نادية ردت:
— عندي.
يوسف لف ناحيتها بصدمة.
— إيه؟
قالت وهي بتبكي:
— بنتها بعتتهم على عنوان بيتنا القديم. أبوك استلم أول جواب… وبعدها طلب مني أخبي الباقي.
يوسف قرب منها.
— وإنتِ وافقتي؟
— أيوه.
— عشر سنين يا أمي؟
نادية ما قدرتش تبص في عينه.
وقالت:
— كنت فاكرة إني بحميك.
ضحك يوسف بمرارة.
— حميتيني من إيه؟ من ابني؟
— كنت خارج من عمليات، وأبوك كان بيقول إن حياتك ومستقبلك هيضيعوا.
يوسف رفع الجواب قدامها.
— ومستقبلها هي؟
وأشار ناحية القبر.
— مين كان هيحميه؟
نادية انهارت.
لكن حفيدي قال فجأة:
— خلاص.
كلنا بصينا له.
كان واقف جنب قبر أمه، ماسك الكارت اللي رسمه لها.
وقال:
— أنا مش عايز أول يوم أعرف فيه بابا يبقى كله خناق.
وساعتها…
لأول مرة فهمت إن الطفل اللي كنت فاكرة إني بحميه من الدنيا…
كبر من غير ما أحس.
قبل ما نمشي، سألت نادية:
— لسه ما جاوبتيش على أهم سؤال.
بصتلي.
قلت:
— ليه دلوقتي؟
— ليه بعد عشر سنين بالضبط قررتي تتكلمي؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
— لأن جوزي مات من شهر.
يوسف بص لها.
لكنها كملت:
— وقبل وفاته بأيام، طلب مني أجيب صندوق صغير من الخزنة.
كان الصندوق مليان ورق.
جوابات بنتك.
وصور.
وتحليل قديم.
قلت:
— تحليل إيه؟
نادية طلعت ورقة من الملف.
— أبو يوسف شك في الحمل وقتها. قدر بطريقة ما يحصل على عينة محفوظة مرتبطة بالطفل بعد الولادة، وعمل فحص نسب بشكل خاص.
يوسف قال بصدمة:
— يعني أبويا كان عارف؟
هزت رأسها.
— من عشر سنين.
ساد صمت مرعب.
يوسف سأل:
— كان عارف إن عندي ابن وسكت؟
— أيوه.
— وإنتِ؟
قالت:
— أنا ما عرفتش نتيجة التحليل غير بعد وفاته.
فتحت الصندوق…
ولقيت النتيجة.
نسبة إثبات الأبوة كانت قاطعة.
ولقيت معها الجواب الأخير.
وعليه ورقة صغيرة بخط بنتك.
مدتها ليا.
كان مكتوب:
«لو حصل لي حاجة، أرجوكي وصّلي الكلام ده ليوسف.
ولو معرفتيش…
على الأقل، لما ابني يكبر ويبقى قادر يفهم…
قوليله الحقيقة.»
رفعت عيني لنادية.
قالت:
— فهمت وقتها إن سكوتي ما بقاش خوف.
— بقى ذنب.
هزت رأسها.
— عشان كده دورت عليكم.
سألتها:
— وعرفتي ميعاد زيارتنا للقبر إزاي؟
قالت:
— سألت حارس المقابر. قال إنك بتيجي كل سنة في نفس اليوم تقريبًا مع الولد.
بصيت لحفيدي.
كان قاعد قدام قبر أمه وبيحط الكارت بين الورد.
وبعدين قال بصوت واطي:
— ماما…
أنا لقيت بابا.
يوسف سمعه.
وقف مكانه كأنه نسي يتنفس.
حفيدي قام.
مشى ناحيته.
وبصله.
— بس زي ما ماما قالت… واحدة واحدة.
يوسف ابتسم والدموع في عينه.
— واحدة واحدة.
ومد إيده.
حفيدي بص لها ثواني…
وبعدين مسكها.
ما حضنوش.
ما قالوش يا بابا.
لكن بالنسبة ليوسف…
مسكة الإيد دي كانت بداية عمر كامل.
مرت سنة.
يوسف ما حاولش يفرض نفسه علينا.
وده كان أهم وعد نفذه.
في الأول كان بيشوف حفيدي مرة في الأسبوع.
يروحوا يلعبوا كورة.
أو ياكلوا آيس كريم.
أحيانًا يرجع الولد ساكت.
وأحيانًا يدخل البيت ويحكيلي ساعتين من غير ما يسكت.
وفي ليلة، سألني:
— يا جدتي… لو حبيت بابا، إنتِ هتزعلي؟
حضنته.
وقلت:
— أنا ربيتك عشان قلبك يبقى مليان حب، مش عشان تختار بين الناس اللي بيحبوك.
بعدها بشهور…
يوسف بدأ ييجي عندنا يوم الأحد.
وفي أول مرة قعد على سفرتنا، حفيدي حط قدامه طبق الفطير وقال:
— ده فطير جدتي. أحسن فطير في الدنيا.
يوسف ضحك.
— مامتك كانت بتقول نفس الكلام.
حفيدي سكت.
وبعدين ابتسم.
بقى يسأله عن أمه.
ويوسف يحكيله عن أيام المدرسة.
عن أول مرة شافها.
وعن اليوم اللي وقعت منه الكتب في الشارع فضحكت عليه بدل ما تساعده.
بقى حفيدي يعرف أمه كشخص…
مش مجرد صورة معلقة في البيت.
أما نادية…
فسامحتها؟
مش بسهولة.
يمكن جزء مني عمره ما هينسى إن عشر سنين من حياة حفيدي ضاعوا بسبب سكوت عيلتها.
لكنها ما طلبتش مني أنسى.





