
طقوس حماتي حكايات زهرة حصري
حماتي قالت بصوت مليان عتاب
يعني بعد العمر ده كله، هتسيب البيت اللي ربيتك فيه؟
عماد قرب منها ومسك إيدها وقال
أنا مش سايبك يا أمي… أنا سايب طريقة عيش خلتني النهارده واقف في المستشفى بسبب إن مية اتترشت على السلم. أنا سايب الخوف اللي خلى مراتي تتحسب على أمها، وأمها تتعاقب عشان جت تزور بنتها.
حماتي سكتت.
عماد كمل
أنا بحبك يا أمي، وعشان كده مش هسيبك. بس كمان بحب مراتي، ومش هقبل إنها تعيش حاسة إنها السبب في كل مصيبة بتحصل هنا.
سيد بصلي وقال
يعني نبيلة هتفضل معاه؟
عماد رد من غير ما يبصله
أيوه. نبيلة مراتي، وهترجع معايا بيتي. مش هتمشي معاكم، بس أمها تقدر تزورها في أي وقت.
وبص لأخويا وقال
وأنا مش همنع أمها تيجي لها. بالعكس، من النهارده لو أمها عايزة تزورها كل يوم، تيجي كل يوم.
وبعدين بص لأمه وقال
لما ننقل في بيتنا، أم نبيلة هتدخل من الباب زي أي أم داخلة تزور بنتها. مش هتستأذن من حد، ومش هتخاف من مية على السلم ولا من طقوس غريبة.
أمي كانت بتسمع الكلام وهي متأثرة، وقالت
يا ابني أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيتك.
عماد ابتسم وقال
إنتي مش سبب في أي حاجة يا أمي. اللي حصل النهارده علمني إن البيت اللي مفيهوش أمان وراحة ميبقاش بيت مهما كان كبير.
حماتي قعدت على الكرسي وهي ساكتة، ووشها اتغير.
يمكن لأول مرة بدأت تستوعب إن الموضوع مش خناقة وهتعدي، وإن ابنها فعلاً أخد قرار.
قالت بصوت مكسور
يعني خلاص يا عماد؟ هتسيبني؟
عماد قرب منها تاني وقال
قولتلك يا أمي، مش هسيبك. هزورك كل يوم لو عايزة. ولو تعبتِ هبات عندك. ولو احتجتي حاجة هجيبها. بس مراتي لازم يكون ليها بيتها.
حماتي بصتلي فترة طويلة، وأنا معرفتش أقولها حاجة.
كان جوايا كلام كتير، بس منظر أمي وهي مكسورة الرجل كان لسه قدام عيني.
بعد شوية دخل الدكتور وقال إن أمي هتقدر تخرج، لكن لازم ترتاح ومتمشيش على رجلها فترة.
عماد هو اللي خلص كل الإجراءات، وسيد خد أمي معاه.
وأنا قبل ما أمشي، وقفت قدام حماتي.
كنت عايزة أقولها كلام كتير، لكني اكتفيت إني قلت
أنا عمري ما كنت عايزة أبعد عماد عنك، ولا كنت عايزة أقطعك عنه. كل اللي كنت عايزاه إني أعيش مع جوزي وأولادي في هدوء.
حماتي منزلتش عينها في الأرض، بس ماردتش.
خرجت من المستشفى وأنا مش عارفة اللي جاي هيكون عامل إزاي.
لكن عماد مسك إيدي وقال
متخافيش.
بصيتله وقلت
إنت متأكد من قرارك؟
قال
أكتر قرار متأكد منه في حياتي.
وبعدها بأيام بدأ يدور فعلًا على شقة.
وأول ما لقينا شقة مناسبة، خدني أنا والولاد وشوفناها.
كانت بسيطة، مش كبيرة، ومفيهاش لا سلم طويل ولا مدخل ضيق، لكن بالنسبة لي كانت أجمل مكان شفته في حياتي.
لأول مرة تخيلت أمي وهي جاية تزورني من غير ما أخاف.
تخيلتها قاعدة معايا في الصالة، تشرب الشاي وتضحك مع ولادي، وتمشي وهي مطمنة.
بعد ما خرجنا من الشقة، قلت لعماد
أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
قال
على إيه؟
قلت وأنا بعيط
إنك متخليتش عني.
وقف وبصلي وقال
هو أنا لو متخليتش عنك أبقى عملت حاجة كبيرة؟ إنتي مراتي، وبيتي مكان لازم تحسي فيه بالأمان.
قلت
كنت خايفة تقول إن أمي هي السبب وإنك هتختار أمك وتسبني.
قال
أمي ليها مكانتها، وإنتي ليكي مكانتك. الحب مش معناه إني أظلم حد عشان أرضي حد.
وبعدين ابتسم وقال
أنا عايزك تدخلي بيتنا الجديد وإنتي رافعة راسك. عايز أمك تيجي في أي وقت. عايز ولادنا يكبروا من غير ما يخافوا من كل حاجة حوالين البيت. وعشان أمي، أنا مش هقطعها ولا هبعد عنها، بالعكس… هزورها على طول.
ضمّيت إيده بإيدي وقلت
ربنا يخليك لينا.
وبالفعل نقلنا.
أمي بقت تيجي لنا، وعماد كان دايمًا يروح يزورها ويسأل عليها.
أما حماتي، ففضلت فترة زعلانة، وبعدها بدأت تهدى واحدة واحدة.
وفي يوم، أمي كانت عندي، وكنت بعمل لها شاي، وفجأة جرس الباب رن.
فتحت، لقيت حماتي واقفة.
اتخضيت.
قالت
هي أمك هنا؟
قلت
أيوه.
دخلت، وقعدت قدام أمي.
ثواني من الصمت مرت عليهم، وبعدين حماتي قالت
حقك عليا.
أمي بصتلها باستغراب.
قالت حماتي
أنا خوفت زيادة عن اللزوم… وخلطت بين خوفي وبين إني أتحكم في الناس. واللي حصل لك كان درس ليا.
أمي ابتسمت وقالت
خلاص يا أم عماد، اللي حصل حصل.
ومن يومها علاقتهم بدأت تتحسن.
أما أنا، فكل ما أفتكر اليوم ده، أفتكر إني كنت فعلًا واقفة بين بيت جوزي وكرامة أمي، وكنت فاكرة إن لازم أخسر حاجة عشان أحافظ على حاجة.
لكن عماد أثبتلي إن الراجل ممكن يحافظ على أمه من غير ما يظلم مراته، وممكن يحب مراته من غير ما يعادي أمه.
وأنا لحد النهارده ممتنة له من قلبي…
مش بس لأنه خدني من بيت العيلة، لكن لأنه في اللحظة اللي كنت فيها أضعف واحدة، وقف جنبي، وحافظ على كرامة أمي، وأنقذ بيته من إنه يتحول لساحة خناق طول العمر.
وأهم حاجة عملها…
إنه خلاني أحس إن بيتي فعلًا بيتي.





