
انا عروسة جديدة
الهدوء الذي يسبق هبوب العواصف العاتية. كان دخان سجائر الحاضرين يتصاعد ببطء ليلتف حول وجوه الرجال المجتمعين، حيث جلس كبار عائلة حازم في صف طويل يكسو وجوههم الحرج والوجوم، يتقدمهم عمهم الأكبر الحاج عبد الرحمن الذي وضع مسبحته على المنضدة الصغيرة أمامه، دلالة على بدء الجلسة العرفية التي لا يُرد فيها حكم ولا يُرفض فيها قضاء. في المقابل، جلس والدي كالصخرة الصامدة، يحيط به إخوتي الشباب بنظرات تشتعل غضباً وتحدياً.
وعلى طرف المجلس، جلس طارق منحنياً برأسه نحو الأرض من فرط الخجل، بينما جلس حازم بجواره كشبح متهالك، عيناه غائرتان محاطتان بسواد قاتم، يفرك كفيه بتوتر هستيري ولا يقوى على رفع نظره في عين أي شخص من أهل بيتي. أما سمر، فقد حضرت برفقة والدها وأخيها، وكانت تجلس في زاوية ملحقة بالمضيفة، ترتدي عباءة سوداء وتضع وشاحها على فمها، لكن عينيها كانتا تفيضان حقداً ومكراً دفيناً، تترقب الفرصة للتمثيل والنجاة من الورطة.
تنحنح الحاج عبد الرحمن، كبير عائلة حازم، ورفع صوته المتزن لافتتاح الحديث قائلاً يا حاج رجب، إحنا داخلين بيتك بوجوه مكسورة، ومعترفين إن ابننا غلط وتسرع في حق بنتك وحق بيتك. الغضب شيطان، وإيد حازم اللي اتمدت دي قطعها حلال، وإحنا مش جايين ندافع عنه، إحنا جايين نقولك حقك فوق رقابنا، وحكمك على حازم نافذ من قبل ما تنطق بيه، بس يفضل الصلح خير والبيوت تتلم وميتفرحش فينا الشامتين.
رد والدي بصوت جهوري هزّ أركان المكان، ولمعت عيناه بشرار الكرامة الصلح خير لما يكون فيه غلطة عادية أو سوء تفاهم يتصلح بفنجان شاي، مش لما يتمد كف على وش بنتي بعد خمس شهور جواز! والأفجر من ده كله، إن شرف بنتي يترمي في الأرض على لسان واحدة كل همها تشعل نار وتغطي على وساختها!
بنتي أنا تتقال عليها عينها من سلفها؟! بنتي اللي اتربت على الدين والأصول يتطعن في سمعتها قدام الجيران والخلان، وفي الآخر تقولي قعدة صلح ولمّ بيوت؟! لو ابنكم كسر رجله كان أهون من إنه يكسر شرف بيتنا، والدم اللي هيتغسل ميتغسلش بشوية اعتذارات فاضية!.انتفض والد سمر محاولاً التدخل والدفاع عن ابنته قبل أن ينكشف المستور، وقال بصوت حاد استهدى بالله يا حاج رجب، بنتي برضه كانت متعصبة وحصل سوء تفاهم وغيرة ستات، وهي مش قصدها تخوض في عرض حد، ده كلام عيال طلع وقت غضب، وميصحش نرمي الحمل كله عليها وتطلعوها شيطانة عشان تبرروا رد الكف لابنكم!.
لم تكد كلماته تنتهي حتى وقف طارق فجأة كالمجنون، وصرخ في والد سمر بصوت أرعد في الغرفة اسكت انت ومدافعش عن الكدب! بنتك مش متعصبة، بنتك داهية وسوسة، أنا عشت معاها سنتين في مرار، كانت دايماً تكره نور من أول يوم دخلت فيه البيت عشان أنضف منها وأحسن منها، والنهاردة لازم كل حاجة تبان!.في تلك اللحظة بالذات، خرجتُ من الغرفة المجاورة بخطوات هادئة وحاسمة جعلت المجلس كله يتجمد في مكانه.
كنتُ أرتدي عباءة وقورة، مرفوعة الرأس، وثباتي جعل كل الحاضرين يشعرون بمدى ثقل الموقف. لم أكن أرتجف، بل كانت عيناي كالسيف الباتر. حين رآني حازم، انتفض من مقعده محاولاً الاقتراب مني وهو يهمس بصوت باكي نور.. ونبي اسمعيني، أنا دمي كان بيغلي والله العظيم مكنتش شايف قدامي..، لكن أخي الأكبر وضع يده بقوة على صدر حازم ودفعه للخلف صائحاً مكانك يا حازم!
متقربش منها شبر واحد!.وقفتُ أمام الحاج عبد الرحمن وأبي، ووضعتُ على الطاولة ملفاً بلاستيكياً كبيراً وهاتفاً محمولاً، ثم التفتتُ نحو سمر التي بهت لونها واصفرّ وجهها كأن عزرائيل قد حضر لقبض روحها. قلتُ بصوت هادئ ومسموع سمعه كل رجل في المجلس أنا مكنتش ناوية أفضح ولا أتكلم، بس اللي يمس شرفي برصاصة كدب، لازم أرد عليه بقنبلة حقيقة تفرتك كيانه كله.
سمر متخانقتش معايا عشان فنجان قهوة، ولا عشان غيرانة على جوزها من الأصل، سمر كانت بتفتعل خناقة عشان تطردني وتطرد طارق من البيت قبل يوم محدد، والسبب كله هنا في التليفون ده والورق ده فتحتُ التسجيل الصوتي على الهاتف ورفعتُ الصوت إلى أقصاه، فامتلأت الغرفة بصوت سمر وهي تتحدث مع شخص غريب وتتفق معه على مبالغ مالية، وتخبره بأنها تخطط لسرقة أوراق ملكية شقة طارق وشقة حازم أيضاً ووضعها تحت رهن لأحد تجار الديون، وأنها رمت التهمة في شرفي لتشتيت حازم وطارق وجعلهم ينشغلون بالدم والفضائح بدلاً من مراجعة الحسابات والأوراق التي بدأت تختفي من مكتب البيت المشترك.
لم يكن ذلك فحسب، بل تضمن التسجيل اعترافاً صريحاً منها لذلك الشخص بأنها تتمنى تدمير زواجي لأنها لا تطيق رؤية حازم يعاملني باحترام وحب، بينما هي تعيش في جحيم مشاكلها الخاصة. سقطت سمر على ركبتيها من هول الفضيحة، وبدأ جسدها ينتفض كالمصروعة، بينما هجم طارق عليها وهو يصرخ يا فاجرة! بتسرقيني وبتخربي بيت أخويا عشان فلوسك الحرام؟! انتي طالق بالتلاتة! طالق ومترجعيش على ذمتي ليوم الدين!.
واندفع أخو سمر نحو طارق فاشتبك الرجال، وتحول المجلس إلى فوضى عارمة وتراشق بالأيدي حتى كاد السلاح الأبيض يخرج من جيوب الشباب لولا تدخل الحاج عبد الرحمن الذي ضرب عصاه في الأرض مفرّقاً الجمع بصوته الرخيم بس كفاية! الفضيحة بانت والوساخة ظهرت للكل، والحساب عسير!.انتهى أمر سمر بطردها وأهلها من المضيفة وسط سيل من اللعنات والفضائح التي لن تُمحى من تاريخ عائلتهم.
لكن المجلس لم ينتهِ عند هذا الحد؛ فالتفتتُ نحو حازم الذي كان جاثياً على ركبتيه في الأرض يبكي بحرقة وذل لم أرهما في رجل من قبل. زحف نحوي حتى وصل عند قدمي، وحاول أن يمسك بيدي وهو ينتحب كالأطفال نور، ابوس إيدك سامحيني، أنا غبي وكلب وصدقت شيطانة ورفعت إيدي على الشرف والأصل، أنا مستعد أكتبلك عمري كله وشقتي وكل ما أملك عشان ترضي ومتبعديش عني، والله من غيرك أموت!
.نظرتُ إليه من علياء كرامتي، وشعرتُ بمزيج غريب من الشفقة والاحتقار يمزق أحشائي، ثم سحبتُ قدمي بعيداً عنه ونظرتُ إلى أبي والحاج عبد الرحمن، ورفعتُ إصبعي وقلتُ والدموع تحتبس في عيني بصعوبة الحق بان قدام الكل، لكن كف الإيد والشك الرخيص ميتغسلوش بدموع الندم يا حازم. أنا ليا شروط عشان أفكر بس أسمع صوتك تاني، وأول شرط هو اللي هيحدد إذا كنت راجل يستحق يكمل معايا، ولا صفحة سودة واتقفلت من حياتي للأبد!.ساد سكون تام في المضيفة بعد أن توقفت أنفاس الجميع ترقباً للشروط التي ستنطق بها شفتاي.
كان حازم ما يزال جاثياً على ركبتيه، يرفع عينين غارقتين بالدموع والرجاء، كأنه ينتظر حكماً بالإعدام أو طوق نجاة ينتشله من بئر الندم الذي حفرته يداه وتسرعه الأعمى. تنحنحتُ وأنا أثبت نظراتي على وجهه المنهار، وقلت بصوت حاسم يقطر صرامة شروطي مش تعجيز ولا رغبة في الانتقام، لكنها ميزان هعرف بيه إذا كنت شاري كرامتي وباقي على بيتك، ولا الكلام مجرد دموع وقتية عشان الموقف يعدي. أولاً كرامتي اللي اتهانت قدام





