قصص قصيرة

روحت المستشفي

هز راسه ببطء: أيوه.

وعارف إنكم قلتولي على كل ده؟

سكت. وهنا فهمت.

أحمد ماكانش غايب عن البيت صدفة. هو كان عارف إن يومًا ما ممكن الحقيقة توصلني.

بس ليه؟

مسحت دموعي بسرعة وقلت: خدني للعنوان.

محمود حاول يعترض: مريم، أحمد طلب مني ما…

قاطعته: أحمد طلب منك تخبي عني سنة كاملة وأنا احترمت ده. بس من اللحظة دي، أنا مش هحترم أي سر يخص حياتي.

سكت محمود.

وبعد دقائق، كنت قاعدة في عربيته.

طول الطريق ما اتكلمناش. كنت ببص من الشباك، وكل ذكرى بيني وبين أحمد بتعدي قدامي. ليالي استنيته فيها. أعياد ميلاد بنتنا اللي حضرها متأخر. عيد جوازنا اللي نسيه. والرسالة اللي كان بيبعتها كل مرة: المستشفى ناقص موظفين.

وفجأة سألت محمود: هو كان فعلًا في المستشفى كل الوقت ده؟

قال: جزء من الوقت.

والباقي؟

سكت.

محمود، بالله عليك.

تنهد وقال: كان بيروح البيت ده.

قلبي انقبض: ومع مين؟

بص قدامه وقال: لما توصلي، هتعرفي.

بعد حوالي عشرين دقيقة، وقفنا قدام بيت صغير في شارع هادي.

نزلت من العربية وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.

بصيت للعنوان. هو نفس العنوان اللي أحمد كان بيحلف إنه عمره ما راح له.

مشيت ناحية الباب. مديت إيدي أخبط، لكن قبل ما ألمسه، الباب اتفتح.

وظهرت قدامي ست كبيرة. أول ما شافتني، وشها اتغير.

فضلت باصة لي ثواني، وبعدين قالت: إنتِ مريم؟

اتجمدت: أيوه.

حطت إيدها على صدرها: يا نهار أبيض.

بصيت لمحمود. وبعدين رجعت لها: حضرتك تعرفيني؟

دموعها نزلت فجأة: أنا مش بس أعرفك.

سكتت. وبعدين قالت: أنا كنت مستنياكي من زمان.

حسيت بقشعريرة في جسمي: مستنياني ليه؟

ما ردتش. فتاحت الباب أكتر وقالت: ادخلي.

دخلت خطوة. وكان أول شيء شوفته في الصالة: صور. صور كتير جدًا. صور لأحمد. صور وهو صغير. صور وهو في كلية الطب. صور مع بنت صغيرة.

وقفت قدام الصورة الأخيرة. كانت البنت شبه أحمد بشكل يخض.

سألت بصوت مرتعش: مين دي؟

الست بصت للصورة. ثم قالت: دي بنت أحمد.

حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي: بنت أحمد؟

محمود نزل عينيه. وأنا بصيت للست: أحمد عنده بنت؟

هزت راسها: أيوه.

من مين؟

الست قربت مني، ومدت إيدها تمسك إيدي: من بنتي.

سحبت إيدي بسرعة: بنتك؟

هزت راسها. وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة كانت فاضلة جوايا: بنتي ماتت من سنة وشهرين، وهي آخر حاجة أحمد وعدها بيها قبل ما تموت.

سكتت لحظة. ثم قالت: إنه مايسيبش بنتها لوحدها.

بصيت ناحية الصورة مرة تانية. وفجأة فهمت سبب كل الساعات اللي كان بيقضيها بعيد عن البيت.

لكن لسه سؤال واحد كان بيقتلني: ليه خبّى عني إن عنده بنت؟

وقبل ما أسأل، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الطرقة.

لفيت. وكان أحمد واقف قدامي.

وشه شاحب. وفي إيده ظرف أبيض.

بصلي ثواني طويلة. ثم قال: كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

قربت منه وأنا بعيط: عندك بنت وإنت مخبيها عني عشر سنين؟

هز راسه بسرعة: لأ يا مريم.

بصيت له بغضب: أمال إيه؟

فتح الظرف، وطلع منه شهادة ميلاد. مدها لي.

البنت دي مش بنتي بالدم.

بصيت للورقة. وبعدين رفعت عيني له: أمال بنت مين؟

أحمد بص للست الكبيرة. ثم رجع بصلي. وقال: بنت أختك.

اتجمدت: أختي؟!

وهنا عرفت إن السر الحقيقي ماكانش عن أحمد أصلًا. كان عن أختي أنا.

بنت أختي؟!

صرختها خرجت مني من غير ما أحس.

بصيت لأحمد، وبعدين للست، وبعدين للصورة.

أنا معنديش أخت!

أحمد قرب مني خطوة: عندك.

هزيت راسي بعنف: لأ! أنا عندي أخ واحد بس وإنت عارف ده!

الست الكبيرة بدأت تعيط: مريم، أختك كانت موجودة.

اتجمدت مكاني: كانت؟

أحمد بص في الأرض: اسمها سارة.

أول ما سمعت الاسم، جسمي كله اتنفض.

سارة. الاسم اللي أمي كانت بتمنعني أسأل عنه وأنا صغيرة. الاسم اللي كنت أسمعه مرة كل كام سنة في خناقات أهلي، وبعدها يسكتوا لما أدخل عليهم.

افتكرت فجأة صورة قديمة كانت في درج أمي. بنت صغيرة، أكبر مني بسنتين تقريبًا. كنت سألت أمي وقتها: مين دي؟ فقالتلي: قريبة بعيدة.

لكن ملامحها كانت قريبة مني بشكل غريب.

بصيت لأحمد: إنت كنت تعرف؟

قال بهدوء: من أول سنة في جوازنا.

حسيت كأن حد ضربني في صدري: من أول سنة؟

هز راسه: آه.

وفضلت ساكت عشر سنين؟

لأن الموضوع ماكانش بسيط.

ضحكت وسط دموعي: مفيش حاجة في الدنيا تبرر إنك تخبي عني أختي عشر سنين!

قرب مني وقال: لو كنت عرفتك وقتها، كان ممكن تدمري حياتك عشانها.

حياتي؟ دي أختي!

سكت. ثم قال: أختك ما ماتتش في الحادثة زي ما أهلك قالولك.

اتسمرت: إيه؟

الست الكبيرة مسحت دموعها وقالت: سارة كانت عايشة.

قربت منها: طب فين هي؟

بصتلي بحزن: كانت مريضة وماتت من سنة وشهرين.

حطيت إيدي على بقي.

كل حاجة بدأت تركب في دماغي. تأخر أحمد. المستشفى. البيت. البنت.

لكن سؤال واحد فضل موجود: والبنت دي؟

بصيت للصورة. أحمد قال: اسمها ليان.

بنت سارة؟

أيوه.

وأبوها فين؟

الصمت اللي حصل بعدها كان أغرب من كل الكلام.

بصيت لأحمد: أبوها فين؟

أحمد شد على الظرف في إيده: هو السبب الحقيقي اللي خلاني أخبي عنك كل حاجة.

مين هو؟

وقبل ما يرد، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب البيت.

الست الكبيرة شهقت: هو رجع.

أحمد اتغير وشه فجأة. قرب مني بسرعة وقال: مريم، مهما حصل ماتتكلميش.

مين اللي داخل؟

الباب اتفتح. ودخل رجل في منتصف الأربعينات.

أول ما شافني، وقف.

وأنا أول ما شفت وشه، ماقدرتش أتنفس.

لأني كنت أعرفه. مش بس أعرفه، ده كان الشخص اللي أمي قالتلي من سنين إنه مات.

أبويا.

الرجل اللي كنت فاكرة إني ماشفتهوش من وأنا طفلة.

بصلي وقال بصوت مرتعش: مريم.

وأحمد وقف بيني وبينه: كنت أتمنى ما تعرفيش بالطريقة دي.

صرخت: إنتوا كلكم كنتوا بتكدبوا عليا ليه؟!

وأبي بصلي بعينين مليانة دموع. ثم قال: لأن أختك ماكانتْش الوحيدة اللي كنت بحاول أحميها.

وسكت. ثم قال: كنت بحميكي إنتِ كمان.

مد إيده لجيبه، وطلع ظرف قديم. وحطه قدامي: ده جواب أمك، كتبته قبل ما تموت.

فتحت الظرف بإيدين بتترعش. وأول سطر قرأته كان:

يا مريم، لو وصل الجواب ده لإيدك، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة عن اللي حصل لأختك، وعن أبوكي، وعن أحمد.

وقفت مكاني وأنا ماسكة جواب أمي، ومش قادرة أكمل القراءة.

بصيت لأبويا: عن أحمد؟ إيه علاقة أحمد بالموضوع؟

أبويا ما ردش. وأحمد قرب مني وقال: مريم، اقعدي الأول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى