قصص قصيرة

أخ وأخته اختفوا 4 سنين

فاكرة إني هلاقيها؟
كنت متأكدة.
ضحك.
حتى وإنتِ هاربة؟
قالت
خصوصًا وأنا هاربة.
ثم أخرجت من جيبها شريطًا أزرق.
الأب قال
هتربطيه؟
هزت رأسها.
لأ.
ليه؟
فتحت إيدها.
تركت الشريط يقع على الأرض.
وقالت
خلاص.
خلاص إيه؟
مش محتاجين علامات تاني.
وقف الأخ ينظر إلى الغابة.
أربع سنين من حياته مرت هنا.
أربع سنين من الخۏف.
الجوع.
العزلة.
الأبواب المقفولة.
الأصوات المفاجئة.
لكن الغريب
إن أول شيء فكر فيه لم يكن الخاطف.
كان أخته.
قال
أكتر حاجة خلتني أستحمل
سكت.
الأب سأله
إيه؟
قال
كنت كل ما أحس إني خلاص هنهار، أفتكر إن أختي أكيد لسه بتحاول.
أخته بكت.
وقالت
وأنا كنت بفتكر إنك مستنيني.
قال
كنت مستني.
قبل ما يمشوا
الأب وقف أمام الشجرة.
وقال
أربع سنين وأنا كنت باجي هنا أدور عليكم.
الأخ قال
عارف.
الأب استغرب.
عرفت إزاي؟
قال
من العلامات.
إيه؟
في آخر فترة، كنت بسمع عربيات من بعيد.
ثم ابتسم.
كنت عارف إنك بتيجي.
الأب لم يستطع الكلام.
حضنه.
خرجوا من الغابة.
وصلوا للعربية.
هذه المرة
لم يكن هناك شخصان يدخلانها ويتركان والديهما ينتظران.
كان الأربعة موجودين.
الأم في الأمام.
الأب يقود.
والأخ والأخت في الخلف.
قبل ما يتحركوا
الأب بص لهم من المرآة.
وقال
جاهزين؟
الأخ قال
أيوه.
الأخت قالت
بس المرة دي مفيش مغامرات.
الأخ ضحك.
متأكدة؟
متأكدة.
الأب شغل العربية.
وتحركوا.
بعد شهور
أُغلقت القضية رسميًا.
لم يعد هناك مفقودان.
لم يعد هناك احتمال هجوم دب.
لم يعد هناك سؤال عن الملابس.
ولا عن المخبأ.
ولا عن الشريط الأزرق.
كل شيء أصبح له تفسير.
الآثار المزيفة كانت جزءًا من الخطة.
الأغراض التي وجدت كانت موضوعة عمدًا.
المخبأ كان بعيدًا عن نطاق البحث الأول.
ثم استخدم الخاطف مخابئ متعددة لتجنب اكتشافه.
الأخ ظل حيًا لأن الخاطف كان يخشى قټله وترك دليل، وكان يستخدمه تحت السيطرة.
الأخت هربت بعد حوالي عام ونصف.
وأصيبت بعدها وفقدت جزءًا كبيرًا من ذاكرتها، ولذلك لم تستطع تحديد هويتها أو مكانها.
الشريط الأزرق كان علامتها.
الدفتر كان دليلها.
والأخ كان يملك الخريطة في ذاكرته.
والخاطف ترك وراءه بنفسه الأدوات والسجلات والصور التي أسقطته.
لم يكن هناك دب.
الدب كان مجرد قصة صنعها إنسان.
لكن أقوى دليل
لم يكن في المحكمة.
كان في بيت العائلة.
بعد مرور وقت طويل
كانت الأم تنظف صندوقًا قديمًا.
وجدت دفتر أختها.
فتحته.
في آخر صفحة
كانت هناك جملة لم يرها أحد من قبل.
ربما كانت قد كتبتها قبل هروبها.
قرأتها الأم.
ثم نادت أولادها.
جاء الأخ والأخت.
قالت الأم
شوفوا.
أعطتهم الدفتر.
في الصفحة الأخيرة
كانت مكتوبة جملة واحدة
لو خرج واحد فينا التاني هيفضل مستنيه.
الأخ قرأها.
ثم نظر لأخته.
قال
إنتِ كنتِ واثقة.
قالت
وإنت؟
قال
أنا كمان.
الأب سأل
رغم الأربع سنين؟
قال
رغم الأربع سنين.
وفي نفس الليلة
وضعوا الدفتر في إطار زجاجي.
ليس كتذكار للخطڤ.
ولا كتذكار للألم.
لكن كتذكار لشيء آخر.
لأن أربع سنين من العزلة لم تستطع أن تمحو الرابط بين أخ وأخته.
الرجل كان عنده مخابئ.
وكان عنده أدوات.
وكان عنده جلد دب.
وكان عنده خطة كاملة.
لكن لم يكن عنده شيء واحد
إنه يمنعهم من الأمل.
وبعد سنوات
لو حد سألهم
إيه اللي حصل يوم اختفيتوا؟
كانوا يحكوا القصة.
لكنهم كانوا يتوقفون عند نقطة معينة.
الأخ يقول
الناس افتكرت إن الدب أخدنا.
الأخت تكمل
لكن الحقيقة إن الإنسان هو اللي عمل كده.
ثم يسكتان.
لأن النهاية الحقيقية لم تكن يوم القبض على الخاطف.
ولا يوم ظهور الأدلة.
ولا حتى يوم رجوعهما إلى البيت.
النهاية الحقيقية كانت يوم دخلوا الغابة للمرة الأخيرة
وخرجوا منها بإرادتهم.
وفي آخر مرة سألوهم فيها عن جلد الدب
قال الأخ
أنا مش فاكر شكله.
المذيع سأله
إزاي؟
قال
فاكر إني كنت لابسه.
ومش فاكر شكله؟
ابتسم.
لأ.
ليه؟
بص لأخته.
ثم قال
عشان أنا مش عايز أفتكر نفسي بالشكل ده.
سكت لحظة.
أنا عايز أفتكر اليوم اللي خلعته فيه.
أما أخته
فقالت
وأنا مش عايزة الناس تفتكرنا كأخ وأخت اختفوا في الغابة.
تحبوا الناس تفتكركم بإيه؟
بصت لأخوها.
وقالت
بأخ وأخته دخلوا الغابة بالغلط
وخرجوا منها سوا.
كانت الجملة الأخيرة هي كل الحكاية.
لأنهم فعلًا دخلوا
الغابة اتنين.
اتخطفوا اتنين.
اتعذبوا اتنين.
واحد فيهم هرب.
والتاني فضل يقاوم.
لكن في النهاية
رجعوا اتنين.
الخاطف أراد أن يجعلهم مجرد اسمين في ملف مفقودين.
وأراد أن يجعل الدب هو المتهم.
وأراد أن يجعل الغابة شاهدًا صامتًا.
لكنه نسي شيئًا واحدًا
الغابة ممكن تخبي الأجساد
لكنها لا تستطيع أن تمحو الأدلة.
والسنين ممكن تغيّر الوجوه
لكنها لا تمحو الذاكرة بالكامل.
والخۏف ممكن يسكت الإنسان
لكن لا يستطيع إلى الأبد أن يمنعه من محاولة النجاة.
وفي النهاية
الأخ رجع.
الأخت رجعت.
الأب والأم استعادوا أولادهم.
والخاطف لم يختفِ خلف الغابة.
اتحاكم.
واتحاسب.
والقضية اتقفلت.
أما جلد الدب
فلم يعد رمزًا للخوف.
صار مجرد قطعة من دليل قديم
دليل على أن أكبر كڈبة في القضية كلها كانت أن الطبيعة هي التي أخذتهم.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأقسى
الدب ماخدهمش.
الغابة ماخدتهمش.
السنين ماقدرتش تفرقهم.
والإنسان اللي حاول يدفن الحقيقة هو نفسه اللي ساب الأدلة اللي كشفتها.
وفي آخر ليلة قبل ما العائلة تنام
الأب سأل من الصالة
حد هيخرج بكرة؟
الأخ رد
لأ.
الأخت ضحكت
وخصوصًا أنا.
الأم قالت
الحمد لله.
الأخ قال
بس لو خرجنا
الأب صړخ
مفيش خروج!
ضحكوا كلهم.
ضحكة بسيطة.
عادية.
لكن بالنسبة لعيلة قضت أربع سنين مستنية صوت مفتاح على الباب
كانت الضحكة دي أهم من أي شيء.
لأن البيت أخيرًا
ما بقاش مستني حد يرجع.
كلهم كانوا موجودين.
وهذه المرة
قبل العشا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى