
جارتي المطلقة
الملف الأحمر.
تاني يوم الصبح، رحنا أنا وجوزي للمحامي.
أخدنا معانا الملف، وسلمناهوله علشان يراجعه بالطريقة القانونية.
كان جواه أوراق كتير، لكن فيه ظرف صغير في آخر الملف ماكنتش فتحته.
المحامي لبس نضارته وبدأ يقرأ.
وبعد شوية، رفع عينه وبص لجوزي.
— إنت عارف إن أخوك كان مقدم بلاغ رسمي قبل وفاته؟
جوزي هز راسه.
— عارف إنه كان فيه ق.ضية تزوير، لكن ماعرفش تفاصيلها.
المحامي قال:
— الورق ده فيه نسخة من البلاغ، ومعاها مراسلات وتفاصيل تحويلات بنكية. لكن فيه حاجة أهم.
طلع ورقة من الملف وحطها قدامنا.
كانت رسالة مكتوبة بخط أخو جوزي.
جوزي أول ما شاف الخط، عينيه اتمليت دموع.
المحامي قال:
— اقرأها.
مسك جوزي الورقة، وبدأ يقرأ بصوت متقطع:
«يا أخويا وحبيبي…
لو الجواب ده وصلك، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أحل المشكلة اللي دخلت فيها.
أنا اكتشفت إن شريكي بيزوّر فواتير وبيسحب فلوس الشركة، ولما واجهته حاول يهددني.
لكن أنا مش خايف على الفلوس.
أنا خايف عليك إنت وأمي.
علشان كده احتفظت بنسخ من كل حاجة.
لو حصل لي أي مكروه، ماتتصرفش لوحدك، وخد الأوراق دي لمحامي تثق فيه.
وخلي بالك من الست اللي شغالة معانا، لأنها بتوصل كلامنا لشريكي، ويمكن تكون مش فاهمة إنها بتساعده في مصيبة.
وأهم حاجة…
ماتسمحش لمشاكلي تبوظ حياتك مع مراتك وعيالك.
إنت أخويا، وأغلى حد عندي.»
جوزي ماقدرش يكمل.
حط الورقة على الترابيزة، وغطى وشه بإيديه.
ولأول مرة من سنين، شفته بيعيط على أخوه بنفس الوجع اللي كان بيعيط بيه يوم وفاته.
قربت منه وحضنته.
قلتله:
— أخوك كان بيحبك أوي.
رد وسط دموعه:
— وأنا كنت فاكر إني خذلته لما ما فتحتش الشنطة بدري.
المحامي قال بهدوء:
— إنت ماكنتش تعرف اللي فيها. المهم دلوقتي إننا نتعامل مع المستندات دي صح.
وبعد مراجعة الأوراق، اكتشفنا إن أخو جوزي كان محتفظ بنسخ من مراسلات بين شريكه وشخص تاني.
المراسلات دي كانت بتتكلم عن اجتماع مهم في الليلة اللي حصلت فيها الحادثة.
وفيه إشارة لعربية الشركة اللي كان أخوه سايقها.
لكن مفيش ورقة واحدة كانت كفاية لوحدها علشان تثبت إن الحادثة كانت مدبرة.
وده اللي المحامي وضحه لنا.
قال:
— إحنا عندنا قرائن تستحق الفحص، لكن مش هنقدر نتهم حد بجري.مة من غير تحقيق وأدلة واضحة.
جوزي وافق.
واتفقنا إننا نقدم المستندات للجهات المختصة ونطلب مراجعة الق.ضية القديمة.
مرت أيام صعبة.
جارتي ما بقيتش تخرج من بيتها تقريبًا.
والجيران كانوا بيتكلموا عن اللي حصل في الحفلة.
لكن أنا رفضت أحكي لأي حد تفاصيل الق.ضية.
كنت عارفة إن الكلام اللي بيتقال من غير دليل ممكن يظلم ناس ويضر التحقيق.
وفي يوم، لقيت جارتي بتخبط على الباب.
المرة دي كانت لابسة هدوم بسيطة، ومن غير مكياج.
فتحتلها الباب الخارجي وسألتها:
— خير؟
قالت:
— أنا جاية أعتذر.
رديت ببرود:
— إنتِ اعتذرتي قبل كده.
قالت:
— المرة دي مش جاية أبرر لنفسي.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— أنا عارفة إني جرحتك، وحاولت أخرب بيتك، وقلت كلام وحش عنك قدام الناس. ومهما حصل معايا، ده مايدينيش الحق أعمل فيكي كده.
بصيتلها من غير ما أتكلم.
قالت:
— أنا كنت فاكرة إن لو قدرت أقرب من جوزك، هعرف أوصل للشنطة من غير ما حد يشك فيا.
سألتها:
— ولما لقيتيه بيبعد عنك؟
نزلت عينيها.
— اتعصبت… وحسيت إني لازم أكسب بأي طريقة.
قلت:
— حتى لو على حساب بيت فيه اتنين متجوزين من سبعتاشر سنة، وعندهم عيال؟
دموعها نزلت.
— أيوه… وده أكتر حاجة مكسوفة منها.
اتنهدت.
وقلتلها:
— أنا مش هنتقم منك، لكن مش هقدر أثق فيكي تاني.
هزت راسها.
— عندك حق.
وقبل ما تمشي، سألتني:
— هو جوزك ممكن يسامحني؟
قلت:
— دي حاجة تخصه. لكن أهم من إننا نسامحك، إنك تبطلي تأذي الناس وتتحملي مسؤولية اللي عملتيه.
بصتلي للحظات.
وبعدين قالت:
— أنا قررت أسيب البيت ده.
ما رديتش.
مشيت وهي مطأطية راسها.
وأنا قفلت الباب، وحسيت لأول مرة إن الموضوع بدأ يقرب من نهايته.
لكن الحقيقة إن لسه كانت مستنيانا مفاجأة أخيرة.
بعد حوالي شهر، المحامي اتصل بجوزي وطلب منه يروح مكتبه.
رجع جوزي يومها متأخر.
كان وشه غريب.
مش حزين، ومش فرحان.
سألته:
— فيه إيه؟
قعد جنبي وقال:
— التحقيقات في الق.ضية القديمة بدأت تتحرك من جديد بعد تقديم المستندات.
قلبي دق.
— يعني عرفوا اللي حصل لأخوك؟
هز راسه.
— لسه التحقيق مستمر، بس ظهر شاهد جديد.
اتصدمت.
— شاهد مين؟
قال:
— الراجل اللي كان ظاهر في الصورة القديمة جنب أخويا.
افتكرت الصورة اللي وصلت لنا في الظرف.
— مش إنت قلت إنه اختفى؟
رد:
— أيوه، لكنه كان عايش بعيد عننا، ولما عرف إن فيه مراجعة للق.ضية، تواصل مع المحامي.
سألته:
— وقال إيه؟
جوزي خد نفس طويل.
— قال إنه كان موجود يوم الحادثة، وإن أخويا خرج من الشركة بعد ما اكتشف مستندات مزورة، وإن شريكه كان بيحاول يمنعه من تقديمها.
قلت:
— يعني الحادثة كانت مدبرة؟





