قصص قصيرة

و أنا سايقه

وأنا سايقة

وأنا سايقة وراجعة من الحضانة، حفيدي اللي عنده خمس سنين كان قاعد ورا في كرسي الأطفال، بيحكيلي كعادته عن يومه.

مرة عن صاحبه اللي خد لعبته.

ومرة عن المدرسة.

ومرة عن الديناصور اللي رسمه.

لكن فجأة سكت.

وبعد ثواني، وطى لقدام وقال بصوت واطي:

ـ تيتة… هقولك سر، بس ماما وبابا قالوا حتى البوليس مينفعش يعرف.

ضحكت.

ـ يا خبر! إيه اللي عملتوه إنتوا؟

لكنه ما ضحكش.

وشه الصغير كان جاد جدًا.

قال:

ـ في الجراج.

قلبي دق أسرع.

ـ إيه اللي في الجراج؟

بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه.

ـ حاجة كبيرة… وماما قالت محدش يشوفها.

حاولت أهون الموضوع على نفسي.

يمكن مفاجأة.

يمكن هدية.

يمكن حاجة بيصلحوها.

لكن حفيدي كمل:

ـ أنا شفتها امبارح.

سألته:

ـ وشفت إيه؟

قال:

ـ بابا كان بيحفر.

اتوترت.

ـ بيحفر فين؟

ـ جوه الأرض.

سكت شوية، وبعدين قال:

ـ ولما لقى الحاجة، ماما قالت له لازم تيتة تعرف.

مسكت الدركسيون جامد.

ـ قالت كده؟

هز راسه.

ـ أيوه.

ـ وإنت سمعتها؟

ـ أيوه.

فضلت ساكتة.

وبعدين سألته:

ـ إيه الحاجة اللي لقوها؟

قال:

ـ صندوق.

الصندوق.

الكلمة دي لوحدها رجعتني أربعين سنة لورا.

لصندوق قديم كان عند أمي.

صندوق كنت فاكرة إنه اختفى من زمان.

كنت وقتها بنت صغيرة، وأمي كانت بتمنعني تمامًا إني أقرب منه.

لكن في يوم، اختفى الصندوق.

وأمي قالتلي ببساطة:

ـ ماتسأليش عنه تاني.

وعمرها ما شرحت السبب.

بصيت لحفيدي في المراية.

ـ إنت شفت الصندوق؟

قال:

ـ أيوه.

ـ كان شكله إيه؟

وصفه.

خشب غامق.

حديد قديم على الجوانب.

وقفل صغير في النص.

اتجمدت مكاني.

كان نفس الصندوق.

مستحيل.

بعد أربعين سنة…

إزاي ظهر عند بنتي؟

غيرت اتجاه العربية فورًا.

حفيدي سأل:

ـ رايحين فين؟

قلت:

ـ عند ماما.

بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلت بيت بنتي.

الجراج كان مقفول.

لكن من الشباك الصغير ظهر نور أحمر ضعيف.

نزلت من العربية.

مسكت إيد حفيدي.

وقربنا من الباب.

خبطت.

مفيش رد.

خبطت تاني.

وفجأة سمعت صوت بنتي من الداخل:

ـ مين؟

قلت:

ـ أنا.

سكتت.

وبعدين الباب اتفتح.

أول ما شافتني، عرفت إنهم كانوا مخبيين حاجة.

دخلت الجراج.

الصندوق كان موجود فوق الترابيزة.

نفس الشكل.

نفس القفل.

نفس الخدوش اللي كنت فاكرة إنها محفورة في ذاكرتي.

بصيت لبنتي.

ـ إنتي لقيتيه فين؟

قالت:

ـ في أرض البيت القديم.

ـ إنتي فتحتيه؟

هزت راسها.

ـ لأ.

جوزها قال:

ـ حاولنا، بس القفل قديم جدًا.

قربت من الصندوق.

ومدّيت إيدي.

لكن قبل ما ألمسه، بنتي قالت:

ـ في حاجة تانية.

طلعت ظرف قديم.

ـ لقيناه مدفون تحته.

مسكت الظرف.

وكان مكتوب عليه بخط أمي:

«إلى ابنتي… عندما يحين الوقت».

فضلت واقفة مش قادرة أتكلم.

فتحت الظرف.

جواه ورقة واحدة.

وفي أول سطر كان مكتوب:

«لو وصل الصندوق ليكي، يبقى السر اللي أخفيته عنك أربعين سنة لازم يظهر».

رفعت عيني عن الورقة.

بنتي سألتني:

ـ ماما… إيه السر؟

بصيت للصندوق.

ولأول مرة فهمت إن أمي ما كانتش بتحاول تخبي عني شيئًا يخصها هي…

كانت بتحاول تحميني من حقيقة تخص عيلتنا كلها.

وفي اللحظة دي…

سمعنا صوت معدني جاي من داخل الصندوق.

تك.

بنتي اتراجعت خطوة.

وحفيدي مسك إيدي وقال:

ـ تيتة… الصندوق اتحرك.

بصيت للقفل.

كان بيتفتح لوحده.

وبعد ثواني…

انفتح الصندوق.

والحاجة اللي كانت جواه…

كانت أول دليل على إن الحكاية اللي أمي أخفتها من أربعين سنة…

لسه ما انتهتش.

بصيت جوه الصندوق، ومقدرتش أصدق اللي شايفاه.

كان جواه ألبوم صور قديم، ومفتاح حديد صغير، ودفتر جلده متآكل من الزمن.

لكن أكتر حاجة شدت انتباهي كانت صورة واحدة فوق كل حاجة.

صورتنا أنا وأمي وأنا طفلة.

قلبت الصورة.

لقيت جملة مكتوبة بخط أمي:

«الصورة دي دليل إن الحقيقة لازم تفضل محفوظة».

بنتي سألتني:

ـ ماما… إيه الحقيقة؟

قلت:

ـ معرفش.

وكان دي أول مرة أقولها وأنا فعلًا مش عارفة.

مسكت الدفتر وفتحته.

أول صفحة كان عليها تاريخ قديم جدًا.

وقرأت:

«اليوم الذي اختفى فيه الصندوق».

وقفت.

الصندوق كان اختفى؟

جوز بنتي قال:

ـ واضح إن أمك كانت بتكتب كل حاجة.

قلبت الصفحة.

كان مكتوب إن أمي اضطرت تخبي الصندوق بعد موقف حصل في بيت العيلة.

لكن الموقف نفسه ما كانش سرقة ولا مشكلة متعمدة.

كان اكتشاف.

من أربعين سنة، أثناء ترميم البيت، لقت أمي تجويفًا خلف حائط قديم.

وجواه مجموعة أوراق ملكية.

الأوراق أثبتت إن قطعة أرض كبيرة تخص العيلة، لكن اسمها اتسجل بالغلط باسم شخص آخر من زمان.

أمي حاولت تصلح الموضوع بالطرق القانونية، لكنها خافت إن الأوراق تضيع أو حد يستغلها.

فاحتفظت بكل المستندات.

لكن قبل ما تكمل الإجراءات…

حصلت مشكلة كبيرة في العيلة.

واتهمها بعض الأقارب إنها أخفت الحقيقة لنفسها.

مع إن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

أمي كانت محتفظة بالمستندات لأنها كانت بتحاول تثبت حق كل فرد من أفراد العيلة.

كملت القراءة.

وفي آخر صفحة كان فيه اسم محامي قديم.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى