قصص قصيرة

و أنا سايقه

وتحت الاسم رقم ملف.

بنتي قالت:

ـ يعني كل السنين دي… الأرض كانت لسه موجودة؟

هزيت راسي.

ـ لو الورق ده صحيح… أيوه.

جوزها أخذ الدفتر وقال:

ـ يبقى لازم نتأكد رسمي.

وافقت.

لكن حفيدي كان واقف جنب الصندوق، وبيدور بعينيه جوه.

فجأة قال:

ـ تيتة…

بصيت له.

كان ماسك المفتاح الصغير.

المفتاح ده كان تحت الصورة.

أخذته منه.

في البداية افتكرت إنه مفتاح الصندوق.

لكن لا.

كان أصغر.

وبصيت على آخر صفحة في الدفتر.

كان فيه رسم صغير لمكان معين في البيت القديم.

وتحت الرسم مكتوب:

«المفتاح لا يفتح الصندوق… المفتاح يفتح المكان الذي تركت فيه الدليل الأخير».

بنتي قالت:

ـ إحنا لازم نرجع البيت القديم.

قلت:

ـ دلوقتي.

بعد أقل من ساعة كنا واقفين قدام البيت.

البيت كان مهجور من سنين.

دخلنا بحذر.

فضلنا ندور لحد ما لقيت علامة محفورة على حائط في الصالة.

نفس العلامة اللي كانت مرسومة في الدفتر.

قربت المفتاح منها.

كان فيه تجويف صغير مخفي.

دخل المفتاح بسهولة.

لفيته.

سمعنا صوت نقرة.

جزء من الحائط اتحرك.

وظهر درج صغير مخفي.

جواه ملف بني قديم.

فتحناه.

وكانت فيه أوراق رسمية، إيصالات، وخريطة للأرض.

لكن كان فيه ورقة واحدة مختلفة.

ورقة أحدث من كل الأوراق.

وعليها تاريخ قبل وفاة أمي بشهر واحد فقط.

فتحتها.

وكان مكتوب:

«لو وصلتي للورقة دي، يبقى بنتي كبرت وبقت قادرة تعرف الحقيقة. الأرض مش أهم حاجة. أهم حاجة تعرف إنك طول عمرك كنتي فاكرة إن عيلتنا خسرت كل شيء… بينما الحقيقة إن فيه شخص واحد حافظ على حقنا لحد آخر يوم».

سكتُّ.

وعيني دمعت.

بنتي سألت:

ـ مين الشخص ده؟

قلبت الورقة.

وكان الاسم مكتوب في آخر سطر.

قرأته.

وساعتها اتصدمت.

لأن الاسم…

كان اسم شخص عشت سنين طويلة وأنا فاكرة إنه هو السبب في ضياع حق العيلة.

لكن أمي كانت كاتبة تحته جملة واحدة:

«هو لم يأخذ حقنا… هو الذي أنقذه».

بصيت لبنتي.

وقلت:

ـ واضح إن أمي كانت مخبية الحقيقة عشان اليوم ده.

حفيدي كان واقف بعيد، وفجأة قال:

ـ يعني ماما كانت صح لما قالت إن تيتة لازم تعرف؟

ابتسمت رغم كل اللي حصل.

ـ أيوه يا حبيبي.

لكن قبل ما نقفل الملف…

لقيت ظرف صغير مدسوس تحته.

وعليه اسمي.

فتحته.

وكانت فيه جملة واحدة فقط:

«لو عرفتي الحقيقة، متدوريش على الماضي… دوري على الشخص اللي لسه محتفظ بالجزء الأخير من الحكاية».

رفعت عيني عن الورقة.

وسألت نفسي:

مين الشخص اللي أمي كانت تقصده؟

وليه كانت متأكدة إنه لسه عايش؟

وليه حفيدي هو اللي كشف السر بالصدفة بعد أربعين سنة؟

فضلت باصة للورقة ومش عارفة أتكلم.

بنتي قالت:

ـ ماما، لازم نعرف الشخص ده مين.

رجعت للدفتر بسرعة.

في آخر الصفحات كان فيه أسماء كتير، لكن اسم واحد كان بيتكرر أكتر من مرة.

عم منصور.

رجل كان جارنا زمان.

افتكرت على طول.

عم منصور كان صاحب محل قديم جنب بيتنا، وكان دايمًا بيساعد أمي في إصلاح أي حاجة تخص البيت.

لكن بعد وفاة أمي، اختفى من المنطقة.

قلت:

ـ لازم نعرف هو فين.

جوز بنتي فتح الموبايل وبدأ يدور على الاسم.

وبعد دقائق قال:

ـ لقيته.

بصيت له.

ـ فين؟

قال:

ـ عايش في دار رعاية للمسنين.

قررنا نروح له تاني يوم.

لكن قبل ما نمشي، حفيدي وقف قدام الحائط وقال:

ـ تيتة، استني.

بصيت له.

كان بيشاور على علامة صغيرة جنب الدرج السري.

ـ دي مش كانت موجودة في الدفتر.

قربنا.

كانت العلامة عبارة عن رقمين:

17 4

بنتي قالت:

ـ يمكن تاريخ.

هزيت راسي.

ـ أو رقم صندوق.

جوز بنتي قال:

ـ أو عنوان.

صورت العلامة بالموبايل.

وفي اللحظة دي، لقيت ورقة صغيرة جدًا واقعة خلف الدرج.

فتحتها.

كان عليها رقم ملف قديم.

وتحت الرقم مكتوب:

«الجزء الأخير موجود في المكان الذي بدأ منه كل شيء».

سألت نفسي:

المكان اللي بدأ منه كل شيء؟

وفجأة افتكرت.

محل عم منصور.

كان هو أول مكان أمي راحت له يوم اكتشفت الأوراق.

في اليوم التالي، ذهبنا إليه.

كان رجلًا كبيرًا في السن، لكن ذاكرته كانت قوية.

أول ما قلت له اسم أمي، سكت طويلًا.

ثم قال:

ـ كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

بصيت له بدهشة.

ـ يعني إنت كنت مستني حد من العيلة؟

قال:

ـ أمك قالتلي لو بنتها سألت يومًا عن الحقيقة، أديها ده.

وطلع من درج قديم صندوق معدني صغير.

حطه قدامي.

ـ ده عندي من أربعين سنة.

فتحه.

جواه مفتاح آخر.

ومظروف.

فتحت المظروف.

كان فيه مستند رسمي حديث نسبيًا، يثبت إن أمي بالفعل بدأت إجراءات استرداد الأرض قبل سنوات طويلة.

لكنها لم تكن تريد الأرض لنفسها.

كانت تريد تسجيلها باسم أفراد العائلة جميعًا.

رفعت عيني لمنصور.

ـ طيب ليه الإجراءات وقفت؟

تنهد.

ـ لأن أمك مرضت، وبعدها حصلت مشاكل في الأوراق، والمحامي اللي كان ماسك الملف سافر.

ثم أضاف:

ـ لكن أمك ما استسلمتش.

سألته:

ـ عملت إيه؟

قال:

ـ حطت نسخة من كل المستندات في مكان آمن، وقالتلي أستنى لحد ما أول حفيد ليكي يوصل سن يفهم فيه القصة.

بصيت لحفيدي.

قلبي دق.

ـ ليه أول حفيد؟

ابتسم الرجل.

ـ لأن أمك كانت شايفة إن الجيل الجديد هو اللي لازم يصلح اللي الجيل القديم مقدرش يكمله.

سكتنا كلنا.

ثم أخرج منصور ورقة أخيرة.

كانت عليها خريطة.

وأشار إلى نقطة في الخريطة.

ـ هنا الجزء الأخير.

بصيت للمكان.

كان داخل أرض البيت القديم.

رجعنا فورًا.

وبعد بحث طويل، لقينا حجر كبير خلف شجرة قديمة.

رفعناه.

تحته كان فيه صندوق معدني صغير.

فتحناه بالمفتاح.

وكان جواه أهم مستندات القضية.

لكن كان فيه شيء آخر.

شريط تسجيل صغير.

على علبته مكتوب:

«اسمعيه أنتِ فقط».

فضلت واقفة للحظات.

ثم شغلنا التسجيل.

خرج صوت أمي.

هادئًا ومتعبًا.

قالت:

ـ لو إنتي بتسمعي التسجيل ده، يبقى عرفتِ إن الحقيقة وصلتلك أخيرًا.

سكت الصوت ثواني.

ثم قالت:

ـ أنا ما كنتش بخبي عنك سر يعيبنا.

كنت بحاول أحافظ على حقنا.

لكن أهم حاجة عايزاكي تعرفيها…

توقفت لحظة.

ثم قالت جملة جعلتني أبص لبنتي فورًا:

ـ الشخص اللي أنقذ حق العيلة مش عم منصور.

سكت التسجيل.

وبعدها ظهرت جملة أخيرة:

«الشخص ده موجود في عيلتنا لحد النهارده».

بصيت لبنتي.

وبصيت لجوزها.

ثم لحفيدي.

وفجأة فهمت إن أمي كانت تقصد شخصًا قريبًا منا جدًا.

لكن مين؟

قبل ما نعرف الإجابة…

رن هاتف جوز بنتي.

رد.

وسمعنا صوته بيتغير.

وبعد ثواني قال:

ـ لا… مستحيل.

قفل المكالمة.

بصيت له.

قال:

ـ المحامي القديم… اتصل.

وقال إن عنده نسخة من آخر مستند.

ثم سكت لحظة وأضاف:

ـ والنسخة مكتوب فيها اسم الشخص اللي أمك كانت بتتكلم عنه.

ولأول مرة…

عرفنا إن نهاية السر أصبحت أقرب مما تخيلنا.

وصلنا لمكتب المحامي القديم في نفس اليوم.

كان رجلًا كبيرًا في السن، وعلى مكتبه ملفات متراكمة من عشرات السنين.

أول ما شافني، وقف وقال:

ـ أنتِ بنت الست اللي اسمها مكتوب على الملف ده.

هزيت راسي.

طلع ملف بني سميك، وحطه قدامي.

ـ أمك طلبت مني ما أسلموش غير ليكي.

فتحت الملف.

أول ورقة كانت نسخة من عقد الأرض.

والورقة اللي بعدها كانت أهم.

كانت قائمة بأسماء كل أفراد العيلة المستحقين.

لكن الاسم الأخير كان عليه خط تحت بالقلم.

اسمي أنا.

بصيت للمحامي باستغراب.

ـ ليه اسمي لوحدي؟

قال:

ـ لأن أمك كانت شايفة إنك الوحيدة اللي هتقدري تجمعي العيلة وتحافظي على الحق.

قلبت الصفحة.

لقيت ملاحظة بخط أمي:

«لو وصلت الأوراق لبنتي، يبقى لازم تعرف إن الشخص اللي ساعدني في الحفاظ على المستندات هو…»

وتحتها اسم.

اتسعت عيني.

كان الاسم…

اسم والدي.

والدي اللي كنت طول عمري فاكرة إنه ما كانش يعرف أي حاجة عن الموضوع.

قلت:

ـ بس أبويا كان مسافر وقتها.

المحامي ابتسم.

ـ كان مسافر فعلًا، لكنه كان بيتابع كل حاجة.

وبدأ يحكي.

والدي هو اللي اكتشف إن بعض الأوراق القديمة ناقصة.

وهو اللي دفع تكاليف استخراج النسخ الرسمية.

وهو اللي طلب من أمي تخبي المستندات بعيد عن البيت لحد ما الإجراءات تكتمل.

لكن قبل ما يكملوا الإجراءات، توفى فجأة.

أمي خافت إن الموضوع يضيع بعدها.

فبدأت تحفظ كل شيء بنفسها.

وبعدين كتبت الرسائل والتسجيلات.

فضلت ساكتة.

أربعين سنة وأنا فاهمة إن أمي كانت بتحاول تخبي حاجة عني.

وفي الحقيقة…

كانت بتحافظ على حاجة تخصني وتخص بنتي وحفيدي.

بنتي قالت:

ـ طيب والأرض؟

المحامي أخرج ورقة…

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى